ماذا كان يتناول أجدادنا في شهر رمضان؟
تحذير للصائمين:
من كانت معدته حسّاسة، أو يخاف على صبره قبل أذان المغرب… فليغلق هذا المنشور فوراا.. أما من أراد أن يعرف كيف كان أجدادنا يفطرون في الزمن الجميل فليتفضل، وليتحمّل النتائج.
بالعودة إلى تاريخنا المجيد التليد، سأقدم لكم أصدقائي وصفة لفطور رمضاني.. وجبة بسيطة خفيفة وصحية. إذا اتبعتموها فلن تمرضوا، ولن تعانوا أبدا من أمراض القولون أو المعدة، بل ستعيشون عمرا مديدا.. على طريقة أجدادنا الذين كانوا يعرفون سر الصحة وطول العمر.
كان جدي رحمه الله يستفتح صيامه في خيمته بقدح من “ماء سبعة غدران” من ماء المطر الصافي، مبرد في قُلّة من طين حر، تفوح منها رائحة الأرض بعد المطر، ومعطّر بقطران جبل عيسى… ماء يردخ العطش ردخا.. وحين تشرب منه جرعة تشعر أن العروق كلها قد استيقظت من نومها.
بعد ذلك يكسر الصيام في هدوء بكأس من حليب غزال كان يرعى في واد الناموس، حليب خفيف كأنه ندى الصباح، ومعه سبع تمرات من تمر أغراس مقطوفة من أعلى نخلة في واحة مغرار… تمر طيب فيه حلاوة الشمس ورائحة الواحة..
بعدها تأتي غرفية حريرة من دشيشة المرمز، شعيرها مسقي بماء المطر الخالص، ومعطرة بالڨرطوفة وآلال… حريرة كثيفة، يتصاعد منها بخار طيب يملأ الخيمة عطرا كأن كل حبة شعير فيها تروي حكاية سحابٍ مرّ فوق الهضاب.
ثم يقوم جدي، فيمسح شاربه، ويؤدي صلاة المغرب على هيدورة رخلة برڨية من سهب جبل عنتر… سجادة من صوف تفوح من خيوطها رائحة السهب بعد مطر بعيد.
ثم يعود ويجلس إلى صينية قهوة عامرة: فناجين صغيرة داكنة اللون، قهوة ثقيلة تفوح منها رائحة البن المحمص، معطرة بشيح جبل مزي… “ترد براغي الدماغ” كما كان يقول وهو يرتشفها ببطء.
وبعد صلاة العشاء والتراويح مع جماعة الدوار خلف طالب ڨوراري مبروك، يعود جدي إلى خيمته يجر أحد الضيوف لتناول عشاء خفيف كالعادة: بيض الحجل المقلي والمتبل بزيت القضيم (البطم)، مع رشة ملح من عين ورقة… وإلى جانبه طبق من ترفاس فڨارة الزوى مطبوخ مع كتف جدي أروي من جبل بوعمود، معطر بزعتر جبل بولغفاد… ترفاس يفوح منه عطر الأرض كأنه قطعة من الربيع.
ولا تكتمل المائدة دون كسرة قمح السكة من حقول واحة تيوت، مسقية بساقية عين مسعود، ومعجونة بحليب ناقة بكرة ولدت لأول مرة… ثم تُدفن في نار البوغة بين حطب الرمث والدڨع، حتى تنضج وتخرج ساخنة يتصاعد منها البخار كأنها قلب التنور.
وحتى لا يُقال إن المائدة ناقصة، يوضع طبق صغير من كبد الحبارى مشرمل بآزير كثبان العين الصفراء، وصحن متواضع من مخ الأرنب لمن يريد زيادة في الفطنة.
ثم يختمون الطعام بزلافة من العيهقان معتقة بدهان جدعات ماعز أولاد سيد تاج، فقد كانوا يتجنبون دهان الماعز الشارف لقوة مذاقه… وكانوا يقولون إن العيهقان يمسح كل أثر للتخمة ويعيد المعدة إلى رشدها.
وقبل أن يرتد إليك طرفك من هول المائدة، يوضع طبقٌ جانبي كتحلية، حبيبات من رمان عسلة كأنه الياقوت المكنون، وقطع من جمّار نخيل واحة بوسمغون الفتيّ متبلٌ بقطرات من خلّ العنب العتيق المعتّق في جرار الخشب تحت الرمال.. وهو جبن نباتي لا يُؤكل إلا في المواسم العظمى، إذ يقال إن حلاوته تجعل الصائم ينسى مرارة العطش لسبعة رمضانات قادمة!
بعد ذلك تأتي صينية الشاي الواحد وسبعين المنكه بالتمريرة… شاي مطبوخ على جمر الرتم، معطر بنعناع قصر سيدي بوتخيل.. نعناع سُمّد بفضلات حيوان لدمي من جبل مكثر وسُقي بماء الثلج المذاب من أعالي القمم… شاي ثقيل، رغوته كالتاج، وكأسه يفتح النفس للسمر.
فيجلسون تحت ضوء الشمع، بين الذكر والحكايات والضحك، يتحدثون عن القوافل والسنين الغابرة… إلى أن يثقل الليل جفونه.
وقبل الفجر بساعة، يقوم جدي فيصلي ما تيسر من نافلة، ثم يجد جدتي قد أعدت سحوره الخفيف:
فخذَي قطاة برية مشويتين على الدفئ، وزلافة من السفة المدهونة بدهان غنم الفرطاسة ومحلاة بعسل المرينات، يسقيها بلبن الفشتال الهاجع. ثم يمسح يديه، ويقول في رضا: يا ربي ليك الحمد.
فإذا أذن الفجر، صلى ونام قرير العين نومة الأطفال إلى شروق الشمس.
.
إن اتبعتم هذه الحمية الرمضانية البسيطة يا أصدقائي… أضمن لكم "والضامن ربي سبحانه" صحة الأغوال.. وعمر طويييل كعمر سلاحف غالاباغوس بالإكوادور.
.
صحة فطوركم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق