رحلة جدّتي… من قصر تيوت.. إلى بادية أولاد سيدي تاج.

 من حكايات قريتنا.. 

رحلة جدّتي…

من قصر تيوت.. إلى بادية أولاد سيدي تاج. 


كانت جدّتي ما حليمة تسكن بيتا طينييا قديما، في قلب القصر العتيق، حيث الجدران تعرف أسماء ساكنيها، وحيث الليل لا يهبط فجأة بل يتمهّل، مثل عجوز يعرف الطريق.. وكعادتها، مع بداية كل شتاء، كانت تستعد لرحلتها المنتظرة إلى بادية أولاد سيدي تاج، بسفح جبل جعرة جنوب قصر تيوت. فكانت تقول لنا وهي تحزم المتاع: "دجاج الرَّحْلة، يبات مْكَتّف" وكانت تقصد ان كل شيء يجب أن يُحضَّر ليلا، كي لا يسرق الصباح وقته من النية، فتحضر الهدايا كما تُحضَّر البركات: ملابس للنساء والأطفال، أواني الطبخ، جلابة من الصوف لرب الأسرة، قوالب السكر، صندوق الشاي، والحلوى. وعند الفجر، تنهض فتصلّي، ثم توقظني من تحت حايكها الصوفي المخطّط، وأنا لا أزال نصف نائم.. نصف حالم، أظن أن العالم كلّه رحلة.

تعدّ لنا فطور الصباح بمساعدة والدتي، قهوة سوداء، خبز الفْرينة الذي خرج تَوًّا من الفرن، وسمن ماشية أصيل، له رائحة المراعي لا الأسواق.

ثم تجمع جدّتي الأمتعة، وتضعها على ظهر الحمار، تقدّم له صاعا من الشعير ودلو ماء، وحين ينهي فطوره الشهي، تشرع في تحميله، ثم تهيئ لي مكانا فوق المتاع وتركبني عليه،كنت سعيدا حدّ أن الدنيا بدت لي صغيرة، محمولة، ومضمونة.

ننطلق بين حيطان الطوب وأزقة البساتين، جدّتي راجلة، وأنا راكب أمدّ أحيانا قدميّ الصغيرتين محاولا العبث بأذني الحمار، فتوبّخني: «حبس… خليه مسكين»  فأخجل، لا من الكلام، بل من نبرة الحنان التي تخفي الأمر.

في الطريق، تعرّج على خلوة سيدي الشيخ بحاسي لحلاف فتزور المقام وتتبرك وتدعو ثم تضع صرّة من الحنّاء والسكر، وتتمتم بكلمات سرّية، كأنها في مهمة خفية بينها وبين خالقها. وقفت لحظة وهي تمسح بيدها الناعمة المحفوفة بالتجاعيد على حافة صخرة باردة، ثم أطرقت برأسها وكأنها تستمع لصوت لا يسمعه أحد. كنتُ أعتقد يومها أنها تتحدث مع الأحجار، لكني أعرف الآن أنها كانت تودع هناك كل هموم القصر وآلامه، لتخفف الروح قبل أن تثقلها هدايا البادية. كان الدين يومها فطريا نقيا، قائما على إيمان العجائز.. لا شعارات، لا أيديولوجيا، ولا خطب.. إيمان يمشي على قدمين، ويصمت أكثر مما يتكلم.

ثم نواصل الرحلة نحو خيمة سي محمد مول الواجدة، قاطعين أكثر من عشرة كيلومترات..الحمار يترنّح أحيانا من ثقل المتاع، وجدّتي تهمس له كما لو كان يفهم.. وحين نتجاوز التلال الجنوبية لقصر تيوت، يبدأ دوّار خيام مول الواجدة في الظهور. فتلوح خيمة سي محمد الكبيرة يعلوها ريش الخيمة، رمز المكانة والرّفعة عند أولاد سيدي سليمان بن أبي سماحة.

وقبل الوصول بقليل، يستقبلنا الأطفال بفرح هستيري، ترافقهم كلاب الدوار، كأنها تقاسمهم البشرى.. فتشرع جدّتي في تقبيلهم، وتوزيع قطع الحلوى عليهم، فيلتصقون بها كما يلتصق العشب بالمطر..حينها تخرج نساء الخيمة، ويعلو الترحيب:

«يا ما حليمة مرحبا..مرحبا.. جاك الخير… جاك الخير يا ما حليمة» ثم يساعدنها في إنزال الأمتعة، بينما يقود أحد الشبان الحمار إلى مكانه ويقدم له العلف والماء.

ندخل الخيمة فتستقبلنا رائحة الصوف المبلل والرماد كأنها بخور زاوية عتيقة، وقبل أن نجلس تتحول إلى خلية نحل، واحدة تفرش قرب الحيال، وثانية تنحني فوق الهيدورة تنفخ في الجمر لتشعل الحطب، بينما كانت الأخرى، وهي الأسرع حركة، قد بدأت فعلا في تحضير (الزريزري).كنت أراقب أصابعها وهي تفتل حبات التمر المعجون بالسمن، وتضغط عليها ببراعة لتصنع كرات صغيرة تلمع تحت ضوء الشمس المتسلل من ثقوب الخيمة، فتفوح رائحة الحلاوة المشوبة بحموضة (الكليلة) كان مشهدا يملأ الحواس قبل البطون، صخب الاستقبال، ورنة القدور، وحركة الأيدي التي لا تهدأ.. وكأن كل حركة في تلك الخيمة هي طقسٌ من طقوس الاحتفاء بجدتي التي انهمكت في فك الأمتعة وهي توزّعها بعدل عاطفي دقيق: هذه الفونارة لفلانة، وهذه العباءة لفلانة، وهذه الأواني لفلانة بمناسبة زواجها، وهذه الجلابة لسيدي محمد. والفرح يدور بيننا كنخب دوّامة دافئة.

قالت زوجة سي محمد وهي تساعد في تفريغ الأواني: "الشتاء هذه السنة قاسٍ يا ما حليمة. الرياح تأتي من جبل جعرة كالسكاكين." فردت جدّتي وهي تقدم لها إناءً نحاسيا: "لهذا جئتُ. البرد إذا تقاسمناه على بيتين، يصبح دفئا وهذا الإناء فيه بعض من دفء موقدنا."

وحين ن يحين الغداء، يصل سي محمد فيدخل يسار الخيمة حيث مكان الرجال، فتقوم زوجته وجدّتي، تقبّلان رأسه فيستقبلها بترحاب صادق. كان شيخها في الطريقة، الذي لقّنها سرّ سيدي الشيخ: الوِرد أو الذكر المتوارث. فلم يكن الذِّكر حكرا على الرجال؛ بل حتى النساء كان لهنّ نصيب في الطريق. ونظرا لكبر سنّ جدّتي وصلاح مكانتها في قصر تيوت، فقد عُيّنت مْقدّْمَة على ضريح مولاي عبد القادر.

أما أنا…

فكنت أركض خلف دجاجات الخيمة محاولا الإمساك بها، وأحيانا أختبئ خلف الأعمدة لأفاجئ الجديان، وفي مرة حاولت تعليق شاشيتي في حبل القربة فانسكب الماء فوق رأسي وضحك الجميع وبقيت أنا واقفا أتحسّس رأسي كأن السماء سقطت عليّ وحدي.

كنت فضوليًا سمِطًا: لماذا ينام هذا الجدي هنا؟ لماذا ليس لديكم تلفاز؟ ولماذا هذا القدر أسود كأنه محترق؟ وحين تكثر أسئلتي، تشعر جدّتي بالحرج فتصرخ: «رواح تريح هنا… نجيبلك الكلب!»

فأنزوي تحت جنابها ممسكا بطرف ردائها، كطائر مذعور.. فتنفجر النسوة بالضحك: «يا ما حليمة غي خليه يلعب». هكذا نقضي يومنا بين أعمدة الخيمة:

أحاديث، ضحكات، دخان موقد، ووقت لا يستعجل احدا.. وعند الظهيرة، بعد الغداء والشاي، يحين موعد الرحيل.. فتجمع ربة الخيمة لجدتي خيرات البادية: عكّة دهان الغنم، صوف، كليلة، لبن، بيض وتضعها فوق الحمار.. ثم يخرج سي محمد، يقود عنزة حوّاء ويقدّمها لجدّتي كهدية وبركة. فتفرح بها فرحا صامتا، يشبه الامتنان.

تحمّل جدّتي المتاع وتركبني فوق الحمار ثم ننطلق عائدين تتبعنا العنزة، والأطفال والنسوة يلوّحون، ودمع الفراق يتسلل من العيون دون استئذان.

كانت تلك حياة أهل تيوت: قصر وبادية، محبة وتآخي وتآزر، الأسرة، الاقتصاد، والروح… كلّها خيوط في نسيج واحد، وقبل المغيب بقليل، تلوح بيوت قصر تيوت العالية. مدخناتها تستقبلنا، والدخان المتصاعد منها كان كأنه يقول:

عدتم… وقد عاد معكم شيء من الروح.

اليوم صرنا نصل أسرع، لكننا لا نصل معا.. وحين أقطع المسافة بين تيوت والبادية في دقائق معدودات على الطريق المعبّد، أتذكر الحمار الذي كان يحمل الدنيا ويقيس الأرض خطوة خطوة، كأنه يخيط المسافة بخيط من صبر. وحين أسمع خطبا طنانة، أتذكر الصمت المليء بالإيمان في خلوة سيدي الشيخ. وحين أرى "الهدايا" معلَّقة في أكياس بلاستيكية براقة، أتذكر صرّة الحناء والسكر التي كانت تُعد بوصفة من الحب والتبرك. لقد صار العالم أسرع، لكنه فقد ذلك "التمهُّل" الذي كان للليل، وتلك "الدوّامة الدافئة" من الفرح البسيط. صرنا نُحمِّل السيارات أكثر مما تحمل الحمير، ولكن قلوبنا قد خفّ ثقلها عن حمل روح. ربما لأننا نسينا أن "دجاج الرحلة، يبات مكتّف" – فصرنا نعدّ المتاع، قبل أن نعدّ قلوبنا للوصول.

أحمد عقون 

يناير 2026



الخيط والحيط.. النعجة والنخلة مقاربة أنثروبولوجية لجدلية الترحال والاستقرار في الجنوب الغربي الجزائري

 الخيط والحيط.. النعجة والنخلة


مقاربة أنثروبولوجية لجدلية الترحال والاستقرار في الجنوب الغربي الجزائري















شكل الفضاء الجغرافي للجنوب الغربي الجزائري الأعلى، قبل الاستقلال، مسرحا لثنائية اجتماعية فريدة، تقاسم فيها السكان نمطين متمايزين للعيش: نمط "الاستقرار" داخل القصوروالواحات حيث الماء الدائم والزرع، ونمط "الترحال" في الفلاة والسهوب بحثا عن الكلأ والغدير، يشاركهم فئة قليلة هم "الخلاوية" (الصيادون) الذين عاشوا على صيد الحيوانات البرية وجمع العسل والأعشاب الطبية.

، هذان النمطان تحكمهما علاقة تكامل عضوي في ظل عمران بدوي شامل كما وصفه ابن خلدون. ومنه يمكن طرح سؤال جوهري: كيف صاغت جدلية "الخفة والحركة" لدى البدو مقابل "الثقل والثبات" لدى أهل القصر الرموزَ المادية، والنظم الاجتماعية، والبنية النفسية والقيمية لسكان المنطقة؟ .


1. عالم البدو: الخيط، النعجة، والقربة (اقتصاد الحركة)

لدى البدوي، كل شيء مصمم ليُحمل ويتنقل، فالنعجة هي رمز الحياة، فحليبها شراب وغذاء، ومن صوفها كسوتهم وخيامهم، وهي "رأس المال" المتحرك الذي يتيح لهم التنقل وراء المرعى.

القربة: تفوقت على الجرار الفخارية لأنها عملية، خفيفة، ولا تنكسر، مما يسهل نقل الماء لمسافات طويلة على ظهور الدواب.

الخيط والخيمة: في البادية، "الخيط" هو سيد المكان؛ فهو الذي يجمع شتات الخيمة (الفليج) المنسوجة من الصوف وشعر الماعز من خلال هندسة عبقرية؛ فهي قابلة للطي والتقسيم ليسهل حملها على الدواب وهنا أستحضر  كلام المرحوم "سي المجدوب بحوص" (أحد شيوخ أولاد سيد تاج ببلدية تيوت) نقلا عن جده، أن جبل عيسى كان يزخر بأشجار الفلين التي انقرضت لاحقا. بسبب الاستخدام المكثغ من قبل قبائل بني عامر لأغصانها خفيفة الوزن كأعمدة للخيام، حيث كان الجمل الواحد يحمل أعمدة ثلاث خيام كبيرة بفضل خفة خشب الفلين، مما يبرز هوس البدوي بـ "خفة الوزن" كشرط للبقاء. 

ولم يتوقف الأمر عند الخشب، فقد اعتمد البدو أيضا على نبات الحلفاء لصناعة كل ما هو خفيف ويسهل نقله: الحصر، البرادع، الشواري والقفاف… وكأن المادة نفسها كانت تُصهر وفق فلسفة الحركة.

من منظور أنثروبولوجي، تمثل الخيمة والنعجة والقربة "ثقافة غير ثابتة"، أي ثقافة ذات زمن قصير بالمعنى البورديوي – منتجات تستجيب لحياة لا تتحمل التراكم، بعكس أدوات القصر ذات الزمن الطويل.

2. عالم القصر: الحيط، النخلة، والقلة (اقتصاد المكان) في مقابل عالم الخفة والحركة، بنى أهل القصر حياتهم على الثبات:

الحائط والنخلة: يقف "الجدار" الثابت مقابل الخيمة المتنقلة، و"النخلة" الراسخة في الأرض مقابل النعجة السارحة في الفلاة، والأرض الزراعية المحددة مقابل المرعى المفتوح.

القلة والمنسج: استعمل أهل القصر "القلة" الفخارية لتخزين الماء وتبريده لأن وزنها لا يهم داخل البيت المستقر. وانعكس الاستقرار حتى على أدوات النسيج؛ فبينما يتكون منسج البدوية من ثلاثة أعمدة بسيطة لسهولة النقل، نجد منسج القصورية (المنسج القائم) ضخما، معقدا، وثابتا

إضافة إلى العديد من الأدوات ثقيلة الوزن مقارنة بأدوات وأواني البادية مثل الرحى الحجرية، أواني الفخار والنحاس.. الخ كلها ذات وزن وديمومة

ثانيا: التكامل الاقتصادي والسياسي

1. السوق ملتقى الأضداد: كانت العلاقة بين البادية والقصر تكاملية؛ فلكل قصر "بادية" تحيط به، وتربط العائلات علاقات أخوة ومصالح "صاحبي في القصر" و"صاحبي في البدو". في السوق الأسبوعي، يأتي البدوي بـ: الحطب، الصوف، الكليلة، الدهان، ولحم القديد، يقايضها مع القصوري بـ: الخضر، التمر، الحبوب، والمنسوجات الحضرية. السوق هنا ليس مجرد فضاء اقتصادي، بل هو مؤسسة اجتماعية تحمل وظائف الهوية والاعتراف المتبادل، تشبه إلى حد كبير ما وصفه مارسيل موس في “الهدية”: تبادل يخلق التزامات طويلة المدى.

2. السياسة: المشيخة مقابل "تاجماعت"

فرضت طبيعة الترحال والمخاطر نظام المشيخة على البدو، بأن يؤمّروا "أكبرهم سنا أو أكثرهم مالا أو شأنا" أو"أعلمهم بالطرق والمسالك"، فالقيادة هنا تتطلب خبرة جغرافية وأمنية. 

نظام الجماعة (للقصر): بحكم الاستقرار وتنوع الحرف والاختصاصات، لجأ أهل القصر لنظام "تاجماعت" القائم على الشورى ورأي الأغلبية بين ممثلي العائلات داخل القصر لإدارة الشؤون المدنية المشتركة.

هذه الثنائية شبيهة بثنائية “الرعوي مقابل الزراعي” التي درسها إيفانز بريتشارد عند قبيلة النوير الإفريقية، حيث يولّد الترحال قيادة عمودية، فيما تخلق الزراعة نخبة تنظيمية


ثالثاً: الأنثروبولوجيا النفسية والقيمية (العمق الإنساني)

أفرز كل نمط حياة "شخصية قاعدية" متميزة بخصائص نفسية وقيمية فريدة:

أ. سيكولوجية البدوي: بين الحرية والقلق

السمات الإيجابية:

الحرية والاستقلالية: يعيش البدوي في عالم مفتوح بلا جدران، مما عزز شعورا طاغيا بالحرية ورفض القيود.

المرونة والصلابة: المواجهة اليومية لقسوة الطبيعة خلقت شخصية مرنة، صبورة، وقادرة على التكيف السريع.

الروابط الدموية: التنقل والابتعاد أحيانا عن القبيلة جعل من الولاء للعائلة وروابط الدم رابطا مقدسا وشبكة الدعم الاجتماعي قوية جدا تصل إلى التعصب

التحديات النفسية:

قلق عدم اليقين: الحياة رهينة الغيم والمطر، مما خلق قلقاً مزمنا وتوجسا دائما من المستقبل (جفاف، مرض القطيع).

الاغتراب: الشعور بالعزلة عن ركب الحضارة ونقص الخدمات قد يولد إحساسا بالتهميش.

الكرم كاستراتيجية بقاء: كرم البدوي ليس مجرد فضيلة، بل "واجب وجودي". فعزلته في الفلاة تعني أنه قد يحتاج الغريب غدا، فإطعام عابر السبيل هو بمثابة "تأمين على الحياة". لذا جاء كرمه عفويا، فرديا، وفوريا. فكرم البدوي ليس فقط قيمة أخلاقية، بل هو نظام حماية بيئي؛ إذ إن أي “عابر سبيل” قد يصبح غدا منقذا محتملا وسط الخلاء

الفضول الأمني: البدوي "فضولي" بامتياز، وكثير السؤال (الاستخبار). هذا ليس تطفلا، بل ضرورة لجمع المعلومات حول أماكن المطر، تحركات القبائل، والغزوات المحتملة. المعلومة هنا تساوي الحياة.


ب. سيكولوجية القصوري: بين الأمان والرتابة


السمات الإيجابية:

الأمان والاستقرار: وجود سقف دائم ومورد زراعي منح شعورا بالطمأنينة النفسية.

التخطيط والتراكم: الزراعة علّمت القصوري الصبر طويل الأمد (انتظار الحصاد)، التخطيط، والقدرة على مراكمة الثروة وبناء التراث المادي.

الانتماء للأرض: نشأت علاقة روحية عميقة بين المزارع وأرضه، وهي مصدر هويته.

ج- استراتيجيات البقاء الديموغرافية: الأسرة بين التوسع والترشيد

انعكست فلسفتا "الحركة" و"الثبات" حتى على التنظيم العائلي واستراتيجيات التكاثر، في تمظهر واضح لما سماه الأنثروبولوجي مارفن هاريس بـ "التكيف العقلاني" مع الضغوط البيئية. ففي البادية، حيت رأس المال متحرك (القطيع) والمجال مفتوح، لم يكن تعدد الزوجات ترفا أو مجرد مسألة اجتماعية، بل كان استراتيجية جيوسياسية. فالقدرة على نصب خيمة جديدة بسرعة لزوجة وأبناء جدد تتيح للقبيلة تشعيب ذاتها والسيطرة على نقاط ماء ومراعي متباعدة. وكما لاحظ ابن خلدون في 'العمران البدوي'، فإن 'القوة العصبية' للقبيلة تعتمد على كثرة النسل واتساع التحالفات عبر المصاهرة. فكثرة الأبناء تعني قوة عمل لرعي قطعان أكبر، وهم جنود لحماية القبيلة والمراعي. كثرة الأولاد تعني قوة بشرية متنقلة مما يجعل الجسد البدوي وأسرته أداة فعالة لاستيطان الفضاء. 

ففي حين تسمح البيئة المتحركة بهذا التوسع، باعتبارها مفتوحة وغير مقيدة بحدود ثابتة، فإن البيئة المستقرة تُقيد هذا التوسع بحكم محدودية الأرض الزراعية وتقاسمها بين الورثة؛ فقد فرض عالم القصر استراتيجية ترشيدية تكيفية مع بيئة الموارد المحدودة. فبناء دار جديدة داخل أسوار القصر أمر معقد، والمياه والأراضي الزراعية ثابتة ومحصودة. مما شجع – كما يفسر منهج هاريس – على ميل نحو الأسرة الأكثر تركيزا، والاكتفاء بزوجة واحدة، فكثرة الورثة تؤدي حتميا الى تفتيت الملكية الثمينة (تقسيم البستان أو النخيل)، وإفقار الأجيال القادمة مما يهدد التراث المادي للعائلة. وهكذا، بينما يستثمر البدوي في التوسع الأفقي الكمي لتعظيم قوته البشرية، يستثمر القصوري في التراكم الرأسي النوعي، عبر الحفاظ على الملكية وربما تعليم عدد أقل من الأبناء في الزوايا، لضمان استمرارية تراثه المهني أو الديني، بدلا من الكم العددي. حاملا بذور ما سيسمى لاحقا بـ "رأس المال الثقافي" (بمعنى بورديو).


التحديات النفسية:

الرتابة والروتين: الحياة محكومة بدوائر زراعية مكررة قد تقتل روح المغامرة.

الخوف على الممتلكات: انتقل القلق من "البحث عن الرزق" إلى "الخوف على الممتلكات" (الأرض، الدار) من التلف أو السرقة. (الطيحة) 

تنظيم الكرم (النوبة): نظرا لتواجد العديد من السكان في القصر الواحد، خضع إكرام الضيف لنظام "الدور" أو "النوبة". هذا التنظيم، وإن ضمن حق الضيف، إلا أنه حوّل الكرم أحيانا من اندفاع عاطفي إلى "واجب اجتماعي" قد يثقل كاهل الفقير الذي يأتي دوره وهو لا يملك شيئا، فيظهر بمظهر "البخيل" اضطرارا. 

التدين المؤسسي: ساهم الاستقرار ووجود "المسجد" والمدارس القرآنية (الزوايا) في ظهور نخبة من "الطلبة" والفقهاء. لذا، كان تدين أهل القصر أكثر "تفقها" وتنظيما واستنادا للنصوص، مقارنة بتدين البدو الذي غلب عليه الطابع الفطري والروحاني. 

مقاربة:

الاستقرار داخل القصور ولّد زمنا دائريا يعود على نفسه باستمرار؛ موعد جني التمر، موعد غرس الخضر، دورة ماء الساقية.. الخ زمن تُحدده الفصول ودورات الزرع والحصاد، حيث تتكرر الأعمال في مواعيد ثابتة كل عام، ما يخلق إحساسشا بالانتظام والطمأنينة وإمكانية التوقع. في المقابل، يولّد الترحال زمنا قائما على الأحداث؛ زمنا تتحكم فيه المفاجآت والوقائع الطارئة: ظهور غيمة، خبر عن مرعى جديد، مرض مفاجئ يصيب القطيع، أو خطر يلوح في الأفق. وهكذا يعيش البدوي في إيقاع متحوّل لا يعرف التكرار، بل تحكمه الاستجابة السريعة للحدث. ومن هذا الاختلاف الجذري في تصور الزمن، يتشكل اختلاف المزاج النفسي بين الطرفين: هدوء وانتظام عند أهل القصر، مقابل يقظة دائمة واستعداد للتغير عند أهل البادية


خاتمة: 

كلا النمطين -بإيجابياته وسلبياته- أنتج إنسانا جزائريا صلبا، استطاع ترويض بيئة قاسية. بعد الاستقلال، تغيّر الباراديغم وانصهر الجميع في منظومة الدولة الحديثة، وانتشر التعليم، وتوفرت الخدمات الصحية، مما أدى إلى تداخل البنى الاجتماعية، وجعلت “ابن الخيمة” يندمج مع “ابن القصر” في هوية اجتماعية جديدة؛ ورغم التحولات الحديثة، ما تزال رمزية الخيط والحيط.. النعجة والنخلة حاضرة في وجدان وسلوك سكان المنطقة، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام الباحثين لدراسة تحولات هذا المجتمع في ظل الدولة الوطنية مع بقاء تأثير الرموز سالفة الذكر جلية وواضحة في كل حدث اجتماعي. 

.

أحمد عقون

ديسمبر 2025.

البْرَيْنسَةْ… حيث كانت الأرض تُنتزع من جذورها

 البْرَيْنسَةْ… حيث كانت الأرض تُنتزع من جذورها

حكاية نبات أبيد بصمت.. 

الصور من موقع وزارة الدفاع الفرنسية.. 

لم تتوقف جرائم الاستعمار الفرنسي عند استهداف البشر والحيوان، بل امتدت أيضا إلى الغطاء النباتي. فخلال خمسينيات القرن الماضي شرعت الإدارة الاستعمارية في استنزاف ثروة السهوب، وعلى رأسها نبات الحلفاء، الذي كان يشكّل العمود الفقري للمنظومة البيئية في المناطق السهبية.

من سعيدة وعين السخونة مرورا بالشط الغربي، وصولا الى المشرية والعين الصفراء، منحت امتيازات واسعة للمعمّرين لاقتلاع مساحات شاسعة من الحلفاء، بلغت مئات آلاف الهكتارات، مما أدّى إلى إفقار التربة وتعريض هذه المناطق لخطر التصحّر لعقود طويلة.

كانت السهوب توصف آنذاك بـ"بحر الحلفاء" نظرا لاتساعها وتأثير الرياح الذي يجعل حركة النباتات أشبه بأمواج مترامية. غير ان هذا البحر اختفى تقريبا اليوم، بعدما اقتُلعت الحلفاء بعنف لتصدر عبر ميناء أرزيو نحو المملكة المتحدة لاستخدامها في صناعة الورق والحبال.

في تلك الورشات، التي عُرفت محليا باسم "البرينسة"، عمل الرجال والشيوخ والنساء وحتى الأطفال في ظروف قاسية، مقابل أجور زهيدة لا تكاد تسدّ الرمق. كانت هذه الأشغال شكلا من أشكال الاستنزاف المنهجي للبيئة والإنسان معا، تركت آثارها العميقة على البنية الاجتماعية والبيئية للسهوب الجزائرية حتى اليوم.

أحمد عقون

نوفمبر 2025