من دفاتر القصور: وثيقة نادرة تكشف اقتصاد الثقة بين البدو وأهل عسلة في القرن التاسع عشر

 #الرزاينة، #أهل عسلة، #اولاد سيدي احمد المجدوب، منفيي كايين من المنطقة خلال القرن التاسع عشر.


من دفاتر القصور: وثيقة نادرة تكشف اقتصاد الثقة بين البدو وأهل عسلة في القرن التاسع عشر

تقديم الوثيقة
تندرج هذه الوثيقة ضمن أرشيف عائلي محفوظ بقصر عسلة (ولاية النعامة، الجزائر) وقد أتيح لي الاطلاع عليها ضمن خزانة الأستاذ الصديق مصطفى بوزيد من قصر عسلة وهي من مقتنيات والده الحاج أحمد بوزيد بن المختار العسلاوي. وتُعد هذه الوثيقة من الشواهد المحلية النفيسة التي تسهم في إضاءة جوانب من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمنطقة الجنوب الغربي الجزائري خلال القرن التاسع عشر.

نص الوثيقة (محققًا)
الحمد لله تعالى دائما وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
وبعد فقد حضر منصور واشريط والطيب بنو (أبناء) سليمان بن الخلوات البسيسي الرزيني، وطلب (طلبوا) من ماسكيٌّه السيد عبد القادر ومحمد ابني المولود بن حردان العسلاوي، الوثائق المرسومات بعضها من عهد المرحوم بفضل الله ابو داود بن حردان وبعضها ترسيم منهما رقما لحساب وقع بينهم، ثم بعد معرفة ما في جميعه عددا خزينا ومستظهرا، وأخذا وعطاء، وحسب جلها وأقل ما فيها، اعترفوا (اعترف) الإخوة الثلاثة منصور وأخويه بأنهم أبرءوهما من جميع المرقوم كله موافقة، بحيث لم يبق لهم عليهم قليل حق ولا كثيره، شعيرا ولا قمحا ولا دراهم ولا غير ذلك طال الزمان أم قصر، شهد ... (كلمة محذوفة من الوثيقة) عنهم محمد بن قدور، ومحمد بن أبي القاسم، والسيد أبو حفص بن الحفيان، والسيد محمد بن مسعود، وأحمد بن قدور بن أبي جمعة والمشري أخوه، والبركة السيد المجذوب بن ابي حفص، ومحمد بن حميدة، وغيرهم، إشهادا تاما وإبراء عاما، وكتبه من وقع الأمر لديه بالمحرم عام 1266 (هجرية) عبد ربه محمد المامون بن عبد العزيز بن محمد بن عمر لطف الله به.
انتهى نص الوثيقة.
.
أ. محتوى الوثيقة
أولا الدراسة المادية للوثيقة:
نوع الخط: مغاربي عريق شائع في زوايا الجزائر عامة.
نوع الورق: ورق عربي تقليدي مصقول معروف باسم "الكَاغِد"
نوع الحبر: حبر “السَّمَق” المستخرج من وذح صوف الغنم، بلون أسود مائل إلى البني، معروف بثباته.
حالة الوثيقة: وثيقة أصلية محفوظة نسبيًا مع تآكل في الأطراف.
تاريخ الوثيقة: محرم 1266هـ، الموافق لمابين شهري نوفمبر وديسمبر 1849م
ثانيا تدقيق لغوي واصطلاحي:
الكلمات بين قوسين () تمثل تصحيحا لغويا مضافا.
علامات الترقيم مضافة لغايات التوضيح.
حردان: اسم علم ذي أصل أمازيغي (زناتي/شلحي)، بمعنى “الضب” وهو اسم معروف أيضا في التراث العربي القديم، ومن أشهر من تسمى بهذا الاسم ضبة بن أد بن عمرو بن إلياس من قبيلة ضبة العربية، وهي قبيلة مشهورة یعدها النسابون الجمرة الثالثة من جمرات العرب.
المرقوم: في الاصطلاح الفقهي يعني المكتوب أو المسطّر، في سورة المطففين {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}، يشير إلى كتاب الأبرار المكتوب بأمان ويشهد عليه المقربون
ويُقصد به هنا سجلّ الوثائق أو القيود التي تثبت الودائع والمعاملات من قبل.
ماسكيّه: بتشديد الياء اصطلاح محلي يعني حائزي الوثيقة أو المؤتمنين عليها.

ثالثا التحليل التاريخي والاجتماعي:
طبيعة الوثيقة
الوثيقة هي عقد إبراء من دين أو ذمة مالية، متمثلة في مؤونة وأموال خزنتها عائلة بن الخلوات من قبيلة الرزاينة عند عائلة من أهل قصر عسلة منتصف القرن التاسع عشر، ثتبت تنازل أصحاب الحق عن جميع مطالبهم السابقة، بعد مراجعة الحسابات والوثائق.

البنية العائلية والقبلية:
تثبت الوثيقة أن منصور واشريط والطيب إخوة، أبناء سليمان بن الخلوات. كما تُثبت انتساب سليمان بن الخلوات إلى بطن البسيسات من قبيلة الرزاينة، وهو ما يرجّح أن عائلة "الخلواتي" استمدت لقبها العائلي من هذا الجد"الخلوات" وأنهم يعودون إلى هذا الأصل البسيسي الرزيني الحمياني.

النظام الاقتصادي والاجتماعي المحلي:
1- تكشف الوثيقة عن نمط اقتصادي مهم يتمثل في قيام القبائل البدوية المجاورة لقصر عسلة مثل قبيلة الرزاينة، بإيداع المؤن كالقمح والشعير وحتى العْملة لدى سكان القصور، وهو ما يعكس وجود علاقة مؤسسية محلية قائمة على الثّقة والأمانة والتبادل، وهنا يظهر دور فقيه الجماعة العدل الذي يشغل منصب القاضي والموثق الذي حرر العقد، وهو ما ينسجم مع المبدأ القرآني في توثيق الديون مصداقا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ..} [البقرة:282
2- وجود أسماء شهود من أبناء سيدي أحمد المجدوب رفقة أهل عسلة في الوثيقة يدل على علاقات متينة عابرة للانتماءات المحلية، كانت تجمع أبناء سيدي أحمد المجدوب مع أهل عسلة منذ القدم.
3- توثق الوثيقة أسماء تحولت لاحقا الى ألقاب عائلية بعد تقنين الحالة المدنية في العهد الاستعماري منتصف القرن العشرين، مثل الخلوات (عائلة خلواتي من عرش الرزاينة) الحفيان (عائلة حفيان وعائلة بن حميدة من عرش المجادبة). لمشري (عائلة المشري من أهل عسلة)
4- يُلاحظ ورود عبارة "البركة" قبل اسم أحد الشهود، وهو السيد المجذوب بن أبي حفص الذي يظهر أنه من اولاد سيدي أحمد المجدوب، وله مكانة رمزية خاصة يحظى بها في الوسط المحلي، وهذا يعكس تداخل البعد الروحي مع الوظيفة التوثيقية، حيث لم تكن الشهادة تقتصر على بعدها القانوني، بل كانت تُدعّم أيضا بشرعية رمزية تُسهم في ترسيخ الثقة ومنع النزاعات.

ب. الرواية الشفوية
أولا جغرافية الذاكرة
تذكر الرواية الشفوية لأهالي قصر عسلة أن قبيلة الرزاينة كانت من أقدم القبائل البدوية التي اتخذت قصر عسلة مكانا لتخزين المؤن. ويتجلى ذلك في تسمية بعض الأماكن المجاورة لقصر عسلة على بعض أعيان الرزاينة البدو الذين حلوا بالمنطقة مثل. بلڨراد، وبوطاهر، وتامزيرت بوغرارة، وتامزيرت لعروسي. (تامزيرت بالزناتية تعني مكان نصب الخيمة) (بلڨراد،بوطاهر، بوغرارة، لعروسي، هي أسماء رجال من الرزاينة) ومن ما يتناقله أهل المنطقة أن قبيلة الرزاية وأهل قصر بوسمغون-المجاور لقصر عسلة بلغت بهم درجة التقارب إلى حد المساهمة المشتركة في دفع الدّية إذا وقع حادث قتل خطأ، وهو ما يعكس وجود نسيج قبلي متماسك يقوم على التكافل والتضامن المطلق.

ثانيا شخصية الميلود بن حردان:
تٌفيد الرواية الشفوية المتداولة لدى عائلة بوزيد أبناء عمومة الميلود بن حردان بقصر عسلة حسب ما يروى محليا، أن السي الميلود بن حردان المذكور في نص الوثيقة كان عالما حافظا لكتاب الله وإماما للمسجد القصر العتيق بعسلة أواسط القرن التاسع عشر ميلادي، وشخصية ذات مكانة رمزية تحفظ لها العديد من الكرامات في الذاكرة المحلية.
ثالثا الامتداد الاستعماري:
ترتبط ذرية الميلود بن حردان في قصر عسلة بأحداث النفي إلى مستعمرة كايين (غويانا الفرنسية)، حيث نُفي ولدي الطالب الميلود علي وعبد العزيز رفقة قريبهم الميلود بعد اتهامهم من قبل سلطات المستعمر الفرنسي بقتل أحد قياد المنطقة، وحُكم عليهم بالنفي إلى جزيرة كايين مع الأشغال الشاقة لمدة عشرين سنة واستغلالهم لبناء سجن لاستقبال المنفيين إلى هذه البقعة من العالم.
في طريق الرحلة إلى الجزيرة عبر الباخرة توفي عبد العزيز بعد أن أصيب بعدوى أحد الأوبئة وتم التخلص من جثمانه في المحيط الأطلسي من قبل جنود المستعمر الفرنسي، أما الميلود فقد عاد إلى أرض الوطن بعد أن قضى عقوبة 20 سنة منفيا ولم يخلف عقبا.
أما علي فقد نجح في الفرار إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر كندا بعد أن قامت سيدة بريطانية بتهريبه من الجزيرة بعد أن أنقذ حياتها من هجوم أحد الحيوانات المفترسة عليها، ولم يتسنى له العودة إلى أرض الوطن من يومها، وخلف هناك اولادا لا يزال أحفادهم إلى يومنا هذا هناك، من أبنائه ليلى وعلي وهم يحملون لقب علي. ولا تزال الذاكرة المحلية بقصر عسلة تحتفظ بحقوقهم العقارية من تركتة جدهم وفاء لذكراهم.
.
خاتمة :
تُعد هذه الوثيقة نموذجا دالا على أنماط التوثيق العدلي المحلي، وتكشف عن بنية اقتصادية واجتماعية قائمة على الثقة والتكامل بين البدو وسكان القصور، كما تسهم في إضاءة جوانب من التاريخ العائلي والقبلي، وتفتح المجال لربط الوثيقة بالأرشيف الشفوي لفهم أعمق للتحولات التي عرفتها المنطقة خلال القرن التاسع عشر.
.
أحمد عقون
أفريل 2026

من حكايات قريتنا.. عنزة جدتي..

 من حكايات قريتنا.. 

عنزة جدتي.. 

من هدية السي مول الواجدة، إلى قطيع سي محمد باصو.. 

الجزء الثاني 

مضى أسبوع بعد الزيارة التي قادتنا إلى دوار أولاد سيدي تاج، وفي مساء يوم اثنين، وهو موعد السوق الأسبوعي، كانت جدتي تعدّ “التعشوي” على مهل، كأنها تفتح بيتها لاحتمال الغريب قبل أن يطرق. يوم السوق عند أهل تيوت ليس يوم لبيع فقط، بل يوم لعودة الوجوه، للأخبار التي تأتي مع الغروب، وللزائر الذي قد يبيت دون موعد. جلس جدي قبالة الموقد، متلفعا في جلابته الصوفية، والنار تلعب بظله الكبير على الجدران الطينية، فتارة يطول وتارة يقصر، كأنه يتنفس مع لهيب الحطب. أسند رأسه إلى سارية البيت، وضم ركبتيه إلى صدره، وهو يمرّر سبّحته العتيقة بين أصابعه ويتلو ورده المسائي بصوت خافت، صوت رجل فقد بصره منذ عقود بسبب خطأ طبي يوم وباء التيفيس، لكنه لم يفقد بصيرته ولا عزيمته، ولا حقده النبيل على الاستعمار الذي أوجع القصر ولم يكسره. وفي الزاوية، كانت أمي تفرك قدر النحاس بصبر، وحركتها الإيقاعيّة تُحدث صوت احتكاك ناعم هو جزء من سيمفونية البيت المسائية. 

كانت رائحة 'التعشوي' تتسلل من القدر القصديري لتملأ زوايا البيت؛ مزيجٌ نفاذٌ ودافئ بين رائحة الدهان الحايل الذي أخرجته جدتي للتو من عكته، وبين بخار مرق البصل والزعتر البري. كانت الرائحة تتصاعد مع خيوط دخان الحطب، فتمتزج برائحة الطين المبلل في الجدران، لتصنع ذلك العبير الذي لا يعرفه إلا سكان القصور العتيقة؛ عطرٌ لا يباع في زجاجات، بل يُطبخ بالصبر والنية. لم تمض لحظات حتى طرق الباب طرقا امألوفا وصوت ينادي من الخارج: “وااا دودو مجبر… وااا دودو مجبر…”. أطلت جدتي من كوّة صغيرة، ثم سمعنا صوت المزلاج الخشبي الثقيل يتحرّر من عقاله بصوت خشن. ثم فتحت الباب مرحبة، فإذا بسي محمد باصو يربط فرسه إلى نخلة مقابلة للبيت. دخل وجلس قرب الموقد، ووضع يديه المربوعتين تجاه اللهب، كأنه يغسلها بالدفء قبل الحديث. لم يستقبله كلامنا فحسب، بل استقبلته تلك 'الفورة' الدافئة التي خرجت مع فتح الباب، وكأن البيت بأسره كان يحييه.. استنشق الهواء بعمق ثم قال بابتسامة خفيفة: ريحة الكرم سابقة مواليها يا با مجبر..!  فترد جدتي وهي تغطي القدر بخرقة قماشية: مرحبا بك يا سي محمد، التعشوي راه وجد على نيتك. تمدّدت الجلسة كما تتمدد النار في الحطب، فنجان قهوة، ثم آخر، وحديث يبدأ بالسوق والماشية وأسعار الشعير، وينعطف فجأة إلى أيام الاستعمار، إلى الليالي التي كانوا ينامون فيها وهم يحسبون خطوات الجندي، وإلى القصر حين كان يقاوم بالصمت وبالكسرة، وبالرجال الذين لا يوقّعون، والشهداء الذين لا تزال دماؤهم تخضب حجارة الأزقة.

قال جدي، وهو يتحسس لجمر بعصاه: “فرانسا يا سي محمد ضربت في العين قبل ما تضرب في القلب”. فأجابه باصو: “صح… بصح العين اللي تشوف الحق عمرها ما تعمى”. ضحكا ضحكة قصيرة، ثم صمتا، كأن الصمت نفسه جزء من الحديث.

وحين همّ سي محمد بالمغادرة، رغم إلحاح جدي وجدتي عليه بالبقاء للعشاء، طلبت منه جدتي أن يأخذ معه العنزة التي أهداها لها سي مول الواجدة. قالتها ببساطة من يعرف حدوده مع البركة: ليس عندي مكان يناسبها، ولا أمانة تليق بها. فلوتفضلت اتركها عندك مع القطيع.. فأخذها سي محمد، وغادر القصر متجهاً إلى بادية تيورطلت، بينما ظلّ صداها يرنّ في البيت كشيء أُعيد إلى موضعه الصحيح.

مرّت ثلاث سنوات.. ثلاث سنوات تمضي أحيانا بلا أثر، وتمضي أحيانا وهي تختمر في الغيب. وفي صباح من صباحات الربيع، جاء سي محمد باصو إلى بيت جدي. شرب الشاي، تبادل الحديث، ثم قال لجدتي وهو يبتسم: “يا ما حليمة، راه جاي الربيع… وقلت نجيبلك رزقك علاش تربعي”. خرجت جدتي خلفه، فإذا بقطيع من الماعز يقف عند مدخل القصر، يحرسه فتى صغير، عنزة تتقدّم، وخلفها ما يقارب العشرين رأسا.  وقفت جدتي لحظة والفرح يغمرها، ليس فرح الامتلاك، بل فرح التصديق. كأن الكون أجاب على سؤالها الصامت. رفعت يديها إلى السماء، ودعت دعاء لا يُحفظ لأنه يخرج من القلب مباشرة، دعاء يفيض بالخير، وبالستر، وبالبركة التي تدوم ولا تفنى، وشكرا على اختبار نجحت فيه دون أن تدري.

أقسمت عليه أن يأخذ جديا وجدية، وحين أبى قالت له: “خذهما… ففيهم بركة سي مول الواجدة”. قبلها هذه المرة، وهو يبتسم كما يُبتسم لمن يعرف أن البركة لا تُرَدّ.

من تلك العنزة، صار لجدتي قطيع. وحين حلّ الربيع، نصب جدي خيمة في بستانه خارج القصر، وصارت أمي ترعى الماعز قرب الحقول، بين الزرع والماء، نأخذ من القطيع حليبه، وسمنه، وكليلته، ونأخذ قبل ذلك كله معنى الأمانة. وهكذا، تعلمتُ أن البركة ليست شيئا يُمنح، بل هي عقد ثقة بين القلوب. وأن أغلى ما في الهدية ليس قيمتها، بل الاختبار الخفي الذي تجريه على نية الآخذ.

كانت أياما يُقاس فيها الغنى بالوفاء، وتُعرف البركة بأنها الشيء الذي يعود إليك بعدما تظنه ذهب، مضاعفا، هادئا، بلا ضجيج. هكذا كانت الحكاية… عن عنزة "حوا" لم تكن عنزة فقط، بل اختبارا صغيرا للنية، نجح فيه الجميع.

أحمد عقون 

يناير 2026


نداء إلى معالي وزيرة الثقافة والفنون السيدة مليكة بن دودة.

 نداء إلى معالي وزيرة الثقافة والفنون السيدة مليكة بن دودة. 

 تصنيف "الترحال الرعوي العائلي في سهوب الهضاب العليا الجزائرية: معارفه وممارساته وتقاليده بوصفه تراثا ثقافيا إنسانيا غير مادي مهدد بالاندثار. ضمن التراث الثقافي لدى منظمة اليونسيكو 

تُعدّ ظاهرة البدو الرحّل الذين يتنقلون رفقة أسرهم وماشيتهم وخيامهم بحثا عن الكلأ والمراعي من أعرق الظواهر الإنسانية الضاربة في عمق التاريخ. وهي مرتبطة بالتكيّف البيئي في المناطق الجافة وشبه الجافة. وقد شكّل هذا النمط المعيشي، عبر قرون طويلة، منظومة اجتماعية واقتصادية وثقافية متكاملة في فضاءات السهوب والصحارى الجزائرية.

إذ لا يزال بدو الهضاب العليا في الجزائر، إلى جانب رعاة السهوب في منغوليا وبعض قبائل الماساي بشرق إفريقيا، من بين المجموعات القليلة في العالم التي لا تزال تحافظ — ولو جزئيًا — على نمط الترحال العائلي الكامل، حيث تنتقل الأسرة بخيامها ومواشيها وفق دورة موسمية دقيقة تفرضها طبيعة المجال الرعوي.

غير أنّ الظروف المناخية القاسية التي تعرفها منطقة السهوب الجزائرية في السنوات الأخيرة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، إضافة إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة، أدت إلى تخلي العديد من الأسر عن ممارسة الحلّ والترحال، مما ساهم في تراجع كبير في أعداد قطعان الماشية، وفي تقلص المجال الرعوي التقليدي.

ورغم مظاهر الحداثة، لا تزال بعض الاسر تحافظ على هذا النشاط، متنقلة بخيامها ومحافظة على نمط عيش متوارث. غير أن هذا النمط أصبح اليوم مهددًا بالاندثار، ومعه منظومة ثقافية متكاملة تشمل: الشعر الملحون، والأدب الشفهيي، الفلكلور، قيم الكرم والضيافة، الفروسية وأخلاقيات المجال، الصناعات التقليدية المرتبطة بالخيمة والنسيج والحلفاء، أنماط العيش الجماعي والرمزية الاجتماعية. 

والأخطر من ذلك، اندثار رصيد ثقافي وتاريخي وأنثروبولوجي لم ينل بعد حقه من الدراسة الأكاديمية والبحث العلمي، رغم أهميته في تشكيل هوية مجتمعات شمال إفريقيا تاريخيا، وهو ما أشار إليه مبكرا العلامة ابن خلدون في تحليله للعمران البدوي والحضري في كتابه الشهير كتاب العبر، حيث اعتبر العمران البدوي أصلا سابقا للعمران الحضري، ومكوّنا ضروريا لفهم ديناميات السلطة والعصبية والتحولات الاجتماعية في بلدنا.

وعليه، فإننا نأمل من السيدة معالي وزيرة الثقافة أن تنظر في إمكانية تسجيل دراسة ميدانية وطنية شاملة حول بدو الهضاب العليا، لتصنيف ظاهرة الترحال الرعوي ضمن قائمة التراث الثقافي الوطني غير المادي، وإعداد ملف علمي متكامل لاقتراح إدراجه ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسيكو باعتباره تراثا انسانيا عالميا مهددا بالانقراض.

إنشاء "مخبر وطني للتراث الرعوي" أو "أرشيف رقمي وطني للبداوة الجزائرية"

ودعم برامج التوثيق السمعي البصري والشهادات الشفوية قبل فوات الأوان.


أحمد عقون. 

تيوت فبراير 2026

الصور الثلاثة الأولى من بادية ولاية النعامة.

بقية الصور من روبرتاج قناة النهار البدو الرحل. قصة حياة. تقديم مبارك دفة، وردة أقشيش.

خرائط الخيام تحت عين الإدارة الفرنسية: من سجل تحركات بعض بدو العين الصفراء في خمسينيات القرن العشرين"

 الصوالة،  اولاد خليفي،الغياثرة، اولاد سيدي احمد المجدوب، الڨراير والشرفة..

.

خرائط الخيام تحت عين الإدارة الفرنسية: من سجل تحركات بعض بدو العين الصفراء في خمسينيات القرن العشرين"


.

تمثل هذه الوثيقة صفحة من سجل جرد محفوظ بارشيف ما وراء البحار الفرنسي، وتعود الى خمسينيات القرن الماضي. وهي تندرج ضمن المراسلات الدورية التي كان يطلبها مكتب الحاكم العسكري الفرنسي من قياد قبائل منطقة العين الصفراء، بغرض إحصاء تحركات العائلات البدوية وتحديد انتمائها إلى الدواوير ومسؤوليها.

لا يبدو أن هذه الوثيقة كانت تهدف إلى إجراء تعداد شامل للسكان، بقدر ما كانت أداة إدارية لرصد التنقلات الموسمية للعائلات الرحل، خاصة تلك التي غيّرت مواقع نزولها بحثا عن الكلأ. ويؤكد ذلك أن السجل لا يضم كافة أسماء أرباب الأسر، بل يركز على الحالات التي شهدت تحركا جغرافيا. فالدوار – بوصفه تجمعا للخيام – كان وحدة تنظيمية معترفا بها إداريا،  يرتبط بكل أسرة داخله كبير مسؤول أمام السلطات.

ومن الملاحظ غياب تسجيل أسماء أرباب أسر من أولاد خليفي ضمن التحركات، في مقابل ذكر أسماء وافدة من قبائل أخرى داخل مجالهم، مثل الغياثرة (بوقرن، ميلودي) وعائلة من قبيلة بني عقبة (بن قيطون) يوحي ذلك باستقرار نسبي داخل دوار أولاد خليفي خلال فترة الجرد، كما يدل على توفر مورد رعوي كافٍ في مجالهم آنذاك، في حين اضطرت عائلات أخرى إلى التنقل.

كما يُلاحظ أن الصفحة لا تتضمن أسماء كبار الدواوير، مما يرجح أنها جزء من سجل أوسع كانت الصفحات السابقة فيه تثبت أسماء المسؤولين المعروفين لدى الإدارة العسكرية، أو أن القيادات كانت مثبتة سلفا فلم يعد ضروريا تكرارها في كل جرد دوري.

تكشف الوثيقة في جوهرها عن جانب مهم من تاريخ المنطقة خلال المرحلة الاستعمارية، حيث خضعت حركة البدو الرحل لرقابة إدارية دقيقة، وتحولت أنماط التنقل التقليدية إلى معطيات تُرفع بانتظام إلى السلطة العسكرية. فهي تعكس شكلا من أشكال القبضة الأمنية الناعمة، التي لم تقتصر على الأرض بل امتدت إلى تتبع الخيمة ومسارات الرعي.

وإلى جانب بعدها الإداري، تمثل الوثيقة خزانا طوبونيميا بالغ الأهمية، إذ تحفظ لنا أسماء أماكن ومجالات رعوية، وللأسف لم تخضع بعد منطقتنا لأي دراسة طوبونيمية علمية منهجية إلى اليوم. إذ تكتسي هذه الطوبونيميا قيمة خاصة لما تحمله من إشارات تاريخية ورمزية مهمة، كما تسهم هذه الوثيقة في فهم تشكل المجال المحلي وحدود الانتشار القبلي، حيث لا تزال بعض العائلات مستقرة في مجالها الرعوي إلى يومنا هذا.

وعليه، فإن مثل هذه السجلات – رغم مقصدها الرقابي – توفر مادة أرشيفية ثمينة لإعادة قراءة التاريخ الاجتماعي والمجالي للمنطقة، واستعادة ذاكرة حركية مجتمع كان يُنظَّم وفق إيقاع الرعي والمواسم، قبل أن تعيد الإدارة الاستعمارية صياغته ضمن منطق الملف والإحصاء.

نص الوثيقة :

1- الصوالة:

 أ- اولاد عامر

كبير الدوار وعدة خيام. في الجبوب

دربال التاج.   بقرب الانباع 

العيدي محمد ولد الشريف. في بن يخو

العامري سليمان ولد علي. قرب بن حنجير

بوزبوجة عبد الرحمن. بقرب مكاليس

بن عون عبد القادر. في واد العمور (جبل تانوت)

خشعي محمد ولد الشيخ. واد الصم

ب- اولاد عليات 

كبير الدوار. في بوغلابة 

بوعرفة الحاج محمد. في حرازة

بوعرفة احمد. في بتوتة

دحو مول الفرعة. حاسي بيري 

بادي احمد. في ثنية الغزالة

بن عزة عبد الله. في بن جراد قبلة مرغاد

بوفلجة ولد عبد الله. قرب الفرطاسة. 

ج- اولاد سليمان 

كبير الدوار. قبلة مرغاد

حيرش الكبير. في الانباع

فلوح الكبير. بالقرب من مكاليس

العيمش المنور. بالقرب من مسيف

عرعار بالفضل. في الحسي

د- اولاد الخليفي

كبير الدوار. بالقرب من الفرطاسة

اولقاق محمد بن الملياني. بالقرب من القعلول

ميلودي الميلود. في الانباع 

بن قيطون سليمان. في الحجار الطوال

بوقرن الشيخ. بالقرب من بلفلوفة

2- اولاد سيدي احمد المجدوب:

أ- اولاد سي محمد. 

كبير الدوار.  في زواغى ظهرة مغرار الفوقانية

بوحلة محمد. في السمار

حمادة محمد بن احمد. في مزين

ب- اولاد احمد بولنوار

كبير الدوار. في المسيتير

قوراري الميلود. في فرعة مزين الغربية

ملياني ملياني. في تالبونة

بن ماحي الميلود. بقرب مكاليس 

بن ماحي النوار. مقطع دلي

ج- اولاد المقراني

كبير الدوار. لوحة الحجر في الحمادة

بهيليل المجدوبي بن بوبكر. في تيسفساف

د- اولاد لحسن

كبير الدوار. في ثنية العمارة

عبد القادر بن حكوم. في فرعة بالهزيل الشرقية

3- الڨراير

اولاد بوشارب. كلهم في أولقاق 

الشرفة

كبير الدوار. في ويدان العريش

مولاي علي. في الركنة الكحلة قرب ورقة. 

مولاي عبد الرحمن. في الوهدة.... 

انتهى نص الوثيقة. 

من تعرف على اسم جده أو أبيه ينورنا بتعليق.

أحمد عقون 

فبراير 2026