معركة عين بن خليل سنة 1852م







 من التاريخ المنسي.. 

معركة عين بن خليل سنة 1852م

حميان الجنبة، الرزاينة، الغياثرة، اولاد سيد الشيخ. 

حين نقرأ تاريخ المقاومة في الجنوب الغربي الجزائري، كثيرا ما توجه الأنظار مباشرة إلى مقاومة الشيخ بوعمامة، لكن الوثائق الاستعمارية نفسها تكشف أن المنطقة كانت تغلي قبل ذلك بعقود.

في عدد 15 ديسمبر 1853 من جريدة «المبشر»، يرد خبر عن معركة وقعت بعين بن خليل يوم 19 نوفمبر 1852، أي قبل مقاومة الشيخ بوعمامة بنحو ثلاثين سنة، ورغم اللغة الاستعمارية المعتادة التي تصف المقاومين بـ«المخالفين» و«العصاة»، فإن تفاصيل الخبر تقول شيئا آخر.

تذكر الجريدة أن المواجهة جمعت قوات فرنسية مدعومة بڨوم محليين ضد تجمعات من شافع حميان، والرزاينة، والغياثرة، والجنبة حميان، وأولاد سيدي الشيخ بقيادة الشيخ بن الطيب وقائد آخر يدعى القراري. وانتهت ـ حسب رواية الجريدة ـ بسقوط ثمانين قتيلا من المقاومين في يوم واحد.

ثمانين شهيد في يوم واحد..! قد يبدو هذا الرقم عاديا إذا قيس بمعارك القرن العشرين، لكنه في سياق منتصف القرن التاسع عشر، وفي مجتمع قبلي محدود الكثافة السكانية، يمثل خسارة بشرية كبيرة جدا، تكاد تعني أن كل عائلة أو فخذ أو خيمة قد نالها نصيب من الفقد، وهو ما يعكس حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري منذ السنوات الأولى للاحتلال. 

إلى جانب الاستيلاء على أكثر من 30500 من رؤوس الغنم وأكثر من ألف رأس من الإبل. 

ومن هذه الأرقام نستنتج كذلك صورة مختلفة لما جرى، إذ لم تكن المسألة مجرد حملة عسكرية، بل ضربا لمصادر العيش ومحاولة لإخضاع المجال الصحراوي وإرغام القبائل على الدخول في النظام الاستعماري.

مثل هذه الأخبار، مهما كُتبت بعين المنتصر، تظل تحمل بين سطورها أثر رجال قاوموا، وخسروا، ثم غاب ذكرهم من السرديات الكبرى.

رحم الله شهداءنا الأبرار. 


نص الجريدة:

عمالة وهران 

قد كنا ذكرنا قبل هذا خصلة القبطان لاكريتيل الذي توجه إلى أقصى الجنوب من جهة هذه العمالة، وهزم العدو بعد وقعـة شديدة، والآن بلغنا أن العدو حلت بهم عقوبة أخرى وهم حميان (المتخلفين) عن الطاعة وبعد فرارهم طلبوا من سعادة الجنرال مانطوبان (مهلة) عشرة أيام حتى يتأهبوا كما زعموا لإذعان الطاعة، ولما تبين أن مرادهم (التماطل) فقط، أمر سعادة الجنرال دلوزي حاكم ناحية وهران بمسير ڨوم (المجندين في الجيش الفرنسي) تلمسان وسيدي بلعباس إلى تلك النواحي لقمع المنافقين، وفي الخامس عشر نوفمبر من (سنة 1852) ركب الڨوم من محليهما المسميان (العاڨر) والعريشة، وكل طائفة تشتمل على خمسمائة فارس مع مائة وخمسين من (السبايس) وفي التاسع عشر من الشهر المذكور، التقيا بعين بن خليل ثم سارا الفريقان معا إلى حجر الاحجار (المكان يسمى اليوم الحجرات الطوال ويقع بين عين بن خليل ومكاليس) وكان رئيس القوم كبير السكدرون squadron (سرب الخيالة) المسمى دوفرانس من الرجيمنة الثانية للصبايحية، وبينما هم في المحل المذكور، بلغهم أن أكثر المخالفين مجتمعون بسبخة تيري، فركب جميع الڨوم حالا بعد غروب الشمس وكانت ليلة مغيمة بحيث لم يفقه بهم أحد (لم ينتبه لم أحد) وكان القبطان لاكريتيل في مقدمة الڨوم وعند طلوع الفجر عاين نجع العدو في خمسماية خيمة منهم شافع والرزاينة وأولاد سيد الشيخ تحت امر القراري وسيد الشيخ بن طالب (المقصود المقاوم الشيخ بن الطيب) المشهورين بالشجاعة، وحين رأى ذلك مسيو دوفرانس تأهب للقتال وكان وقتئذ على ربوة عالية، فهبط إلى الشاطئ الغربي من السبخة المذكورة والعدو في الشاطئ الثاني مخيم بساحة تشتمل على مساحة مسير ثلاثة سوايع، عند ذلك تفرق الڨوم على قسمين أحدهما تحت أمر مسيو دو فرانس المسطور والثاني تحت أمر القبطان لاكريتيل، وساروا إلى أن جاوزوا السبخة في وقت واحد، فهجم شرذمة الڨوم الأولى على ڨوم القراري، والشرذمة الثانية على سيد الشيخ بن الطيب، فوقع القتال الشديد إلى أن إلتزم الآغا محمد والآغا مصطفى بن براهيم اللذين من ڨومنا الرجوع إلى (الوراء) (فهجموا) على العدو ثانيا ومعهم الصبايحية تحت أمر القبطان ميشال، فهزموا العدو بعد أن قتلوا منهم ثمانين رجل، وغنموا عشرين ألف غنم، وثمان مائة من الإبل، ومات من جهتنا ستة من الصبايحية، وثمانية من ڨوم العرب والجرحى أربعة عشر| منهم البليڨادير فلوري متاع الصبايحية أصابته ثلاثة جراحات بالسيف، وفي أثناء ذالك وصل سعادة الجنرال مونطوبان إلى عين بن خليل، وبمجرد نزوله هناك قدم اليه وفد المخالفين يطلبون منه الأمان، وهذا الأمر على نظره حسبما عاين منهم من الصدق والنية، وفي تلك الأيام خرج ليوتنا سيمون مع ڨوم سعيدة وهجم على فرقة من الجنباء (يقصد حميان الجنبة) والغياثرة وعاقبهم على قدر خيانتهم وأخذ منهم ألف وخمسمائة غنم وثلاثة وسبعين إبل وغير ذلك من الغنائم، وأما بنواحي الأبيض والأغواط وبوسعادة خرجت ڨومنا في طلب بعض الفرق المخالفين وأدركوا في الأمر غاية المراد لحسن اجتهادهم وأن الكوماندا دو براي قدم مع ڨوم إلى القرارة كما تقدم خليفتنا سي حمزة الى متليلي، وأما فصور بني مزاب السبعة قد انجزوا بشروط الطاعة ودفعوا المطالب المخزنية بأتمها التي فرضها عليهم سعادة والي الجزائر. 

انتهى نص الجريدة. 

عقون أحمد 

جوان 2026.


الطبونيميا الأمازيغية من خلال مخطوطات العقود والوثائق القديمة بمنطقة قصور النعامة والبيض.

 الطبونيميا الأمازيغية من خلال مخطوطات العقود والوثائق القديمة بمنطقة قصور النعامة والبيض.


بالأمس تم اختتام الملتقى الوطني للمخطوط الأمازيغي المكتوب بالحرف العربي الذي نظمته المحافظة السامية للأمازيغية بالاشتراك مع المركز الجامعي بالبيضى بمدينة بوسمغون.
بهذه المناسبة أتوجه بجزيل الشكر إلى جميع القائمين هلى هذا الملتقى، وأخص بالذكر السيد الزوجي امحمد، رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية بوسمغون رفقة أعضاء مجلسه الموقّر، على جهودهم المبذولة وحسن التنظيم، كما أوجه شكرا خاصا وعميقا إلى أهل بوسمغون جميعا، على كرم ضيافتهم وحفاوة استقبالهم، والتي كان لها أثر كبير في نجاح هذا الملتقى.
جزاكم الله خيرا، وجعل هذا العمل الجميل في ميزان حسناتكم.
وهذا نص مداخلتي الذي شاركت به:

الطبونيميا الأمازيغية من خلال مخطوطات العقود والوثائق القديمة بمنطقة قصور النعامة والبيض
مداخلة الأستاذ: أحمد عقون

قبل أن أدخل في موضوع هذه المداخلة، أود أن أشير إلى أنني لست بالخبير في اللغة الأمازيغية، وهو ما أعتبره نقصا معرفيا بالنسبة إلى كل باحث يشتغل على تاريخ الجزائر وعموم شمال إفريقيا.
ذلك أن اللغة الأمازيغية، إلى جانب اللغة العربية، تُعد جزءا أصيلا من تاريخ هذه الأمة وثقافتها وهويتها الحضارية من جهة، ومن جهة إخرى فإن الباحث في التاريخ القديم أو الوسيط بالمغرب الإسلامي لا يكاد يستغني عن حدّ أدنى من المعرفة بها، شأنها في ذلك شأن اللغة اللاتينية في أوروبا، أو الآرامية والسريانية في المشرق، باعتبارها مفاتيح أساسية لفهم التاريخ المحلي وطبقاته الثقافية العميقة.
لذلك، فقد استعنت في شرح دلالات الأسماء الأمازيغية الواردة في هذه الورقة بالصديق والشاعر الأمازيغي الأستاذ مصطفى بوزيد من قصر عسلة،
فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان على سعة علمه ورحابة صدره على ما قدّمه من مساعدة علمية قيّمة.

​إن المعرفة الإنسانية تؤكد أن الأرض تتذكر دائما ما قد ينساه البشر، وأن الوثيقة المكتوبة تحفظ ما تأكله عاديات الزمن.
في هذا السياق، تطرح مداخلتنا إشكالية لسانية وتاريخية بالغة الأهمية:
كيف ساهمت الوثائق العدلية القديمة المحررة باللغة العربية في حفظ الذاكرة اللغوية الأمازيغية بمنطقة قصور الجنوب الغربي الجزائري، رغم تراجع الاستعمال الشفهي واختفاء أو ندرة المخطوطات الأمازيغية الكلاسيكية؟
​تأسست هذه الدراسة على فحص نقدي وميداني لمجموعة من العقود والوثائق القديمة التي تعود إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر ميلادي، وهي تتنوع بين عقود الأحباس، والبيعات، ودفاتر تقسيم مياه السقي التقليدية في قصور: تيوت، وعسلة، ومغرار التحتاني.
​المحور الأول: الوثيقة العدلية وعاء لغويا مزدوجا
​إن المخطوطات المكتوبة باللغة الأمازيغية تُعد أصلا نادرا ومصدرا استراتيجيا لدراسة المعاجم والأساليب القديمة، غير أن الواقع التاريخي يفرض علينا الاعتراف بنفاد هذه المخطوطات الكلاسيكية في منطقتنا جراء ثلاثة عوامل قاهرة: الاندثار الطبيعي بفعل الزمن، الإهمال البشري، ثم التخريب والنهب الممنهج الذي مارسه الاستعمار الفرنسي ضد الأرشيفات المحلية.
​هذا الوضع قادنا إلى البحث عن خزان بديل وجدناه في "الوثائق العدلية العربية" فالكاتب العدل أو الفقيه، حين كان يوثق عقدا شرعيا لعقار، أو نخيل، أو نوبة سقي، كان ملتزما بضوابط الفقه والقانون التي تفرض عليه تحديد الوصف الدقيق ومنع الجهالة. وبناء عليه، لم يكن يملك ترف "تعريب" أو "ترجمة" أسماء المواضع كما كان يتداولها الأهالي شفهيا، بل كان ينقلها بصوتها وصورتها الأمازيغية المحلية ويُثبتها داخل النص العربي الفقهي، فتحولت الوثيقة العدلية — من حيث لا تقصد — إلى أرشيف لغوي حي ومقاوِم للاندثار.
وهنا تبرز قيمة منهجية تميّز الوثيقة العدلية عن غيرها من المصادر اللغوية. فالمخطوطة الأمازيغية الكلاسيكية — حين نعثر عليها — تُثبت وجود الكلمة في النص، لكنها كثيرا ما تظل مجهولة الفضاء التداولي: لا نعرف بيقين أين كانت تُستعمل، ومن كان يفهمها، وفي أي سياق اجتماعي حي، كانت تجري. أما الوثيقة العدلية فهي بطبيعتها عقد بين أطراف حيّة، في مكان محدد، بتاريخ مضبوط، وأمام شهود موسومين بأسمائهم ونسبهم. فحين ترد في عقد حبس بقصر تيوت تعود لسنة 1848م كلمة 'تانوت'، فإنها لا تثبت فحسب أن الكلمة كانت موجودة، بل تثبت أنها كانت مفهومة من الكاتب والشهود والمحبِّس جميعا، وأن لها موضعا جغرافيا تعرفه الجماعة وتتداوله، وهذا هو المعيار العلمي الذي يجعل الوثيقة العدلية في بعض أوجهها أشد إثباتا من المخطوطة ذاتها.

​المحور الثاني: تفكيك الطبونيميا المائية والزراعية والمنشآتية
​دعونا ننتقل إلى الشواهد الميدانية التي استخرجناها من هذه الوثائق لتفكيك دلالاتها اللسانية:
​أولا: طبونيميا المياه والآبار (المعجم الهيدرولوجي)
​الماء في مناطق القصور هو عصب الحياة ومحور الهوية، ولذلك كانت مفرداته الأشد صمودا:
​فقوسة تانوت: وردت في وثيقة حبس عقار مؤرخة في رجب 1264 هـ (جوان 1848م) حررها الفقيه محمد المامون بن عبد العزيز، وتتعلق بأملاك الحاج النعيمي بن عمارة بن رحو التيوتي؛ حيث نصت على حبس: "فقوسة بتانوت" (والفقوسة نوع من النخيل). كذلك ذكر هذا الاسم بوصفه اسم علم في مشجرات أنساب بني مرين،
أمّا كلمة "تانوت" فلسانيا هي صيغة التصغير الأمازيغية المعهودة (بالتاء المربوطة في البداية والنهاية) لكلمة "آنو" التي تعني البئر العميق، فتكون "تانوت" هي البئر الصغيرة.
ويناو: وردت في دفتر تقييد حصص مياه السقي بواحة تيوت يعود لسنة 1930م. ويُرجح لسانيا ارتباطها بالجذر الأمازيغي "أونان" أو "إيني" الدال على الآبار ومصادر المياه.
​اوڨوي ن تيرزي وأوڨوي نعزلت: وثائق قصر عسلة تكشف عن نظام سقي تقليدي عريق يعتمد على سدين شيّدهما السكان لتجميع وتوزيع مياه العيون. السد الشرقي يُدعى "أوڨوي ن تيرزي" (ويعني سد الكسرة)، والسد الغربي يُدعى "أوڨوي نعزلت" (ويعني سد القطع الأرضية المعزولة). وكلمة "أوڨوي" بالزناتية تعني السد المائي، وتعكس التسمية ثنائية التنظيم الاجتماعي والمجالي بدقة بالغة.
​ثانيا: طبونيميا المواضع والمنشآت الزراعية
​كلمة تيجان: وردت في وثيقة الحبس السابقة (1848م) في عبارة "فقوسة بعش تيجان"، وهي جمع لكلمة "تيجنت" التي تعني في اللسان المحلي موضع تجميع المياه أو حوض السقي.
إيسبي: في نظام السقي بقصر عسلة، يُقسم دور السد إلى أربعة أدوار زمنية، ويُطلق على الدور اسم "إيسبي" (ومدته خمسة أيام). وقد ارتبطت هذه الأدوار بأسماء العروش والعائلات التي توارثت الحق المائي، فنجد في السد الشرقي والغربي أدواراً مثل: (إيسبي آت بوداود، إيسبي آت عجاج، إيسبي آت حمزة، إيسبي آت زيان) في الشرق، و(إيسبي آت جو) بدلا من زيان في السد الغربي. ولفظ "آت" أو "آيت" هنا هو أداة نسب قبلي أصيلة. وكلمة "جو" قد تشير إلى اسم بوجمعة.
تاهجونت: وهي التسمية التي أطلقت على برج مراقبة قديم بقصر عسلة. والمثير علميا أن الأهالي اليوم — حتى المتحدثين منهم بالشلحية — عجزوا عن تفسير معناها الدقيق. وهنا تتجلى قوة الطبونيميا؛ إذ تظل الذاكرة المكانية محفوظة في بطن الوثيقة كشاهد أركيولوجي لغوي، حتى بعد أن تضيع الدلالة من الذاكرة البشرية الشفهية.
تادمامت: نخلة ذُكرت في وثيقة تيوت ("ونخلة تادمامت"). ورغم غياب معناها المعجمي الواضح حاليا، إلا أن قيمتها الصوتية والبنيوية ظلت محفوظة بفضل التدوين العدلي. علما أن هناك نوع من التمور في وادي ميزاب يحمل نفس الإسم.. كما قد تعني بناء على جذر الكلمة دمم وهو يرتبط بمعنى الضم أو الجمع أو الالتئام فقد تعني تادمامت المجموعة المضمومة. كما تشير إلى نوع من عقد الحلي الذي تعلقه النساء للزينة
أهجينة: وردت في وثائق البيوع القديمة بقصر مغرار التحتاني للدلالة على نوع من التمر. ولعل جذر الكلمة يعود إلى أصل عربي من "التهجين"، أو يحمل تداخلا لسانيا محليا يحتاج إلى تعمق.
تنيتنيشريش:
الكلمة تبدو مركبة من، تَنِيت - نِيشْرِيش
تا/تَ : أداة تأنيث أمازيغية محتملة في المستهل
نيتني : في الأمازيغية تعني هم أو هؤلاء وهي ضمير إشاري، أما شريش: فجذر محتمل
في العربية الشريش نبات معروف يُسمى أيضا بالسوسن البري، وهو نبات شائك ينمو في المناطق الجافة وشبه الجافة وقد يكون دخل إلى المعجم الأمازيغي المحلي كدخيل عربي قديم.
​كما تذكر وثيقة سنة 1930 بتيوت أسماء حصص مائية تحمل أبعادا وصفية أو اجتماعية واضحة مثل: "تيغري" (بمعنى النداء)، و"جنان تيدارت"* (بستنان المنزل، حيث تيدارت تعني الدار أو البيت)، و"إيدفار واودفار" (بمعنى الأراضي الخلفية أو ما وراء القصر). و"شربعيد" التي قد تعني شرب أعيد أي سقي متكرر
إلى جانب حصص ترتبط بألقاب ونسب العائلات كـ "أوحدجو"، "أوعدوان" (العيدواني)، "أومحرز" (المحرزي)، "أوذكار" (الذكري)،

​المحور الثالث: الأنثروبولوجيا الاسمية والظواهر المورفولوجية
​لا تقتصر القيمة اللغوية لهذه المخطوطات على أسماء الأمكنة فحسب، بل تمتد إلى "الأنثروبولوجيا الاسمية" وبنية الكلمة (المورفولوجيا):
الأسماء والأعلام الأمازيغية:
حدوش: ورد في وثيقة 1848م باسم "سيدي حدوش" (وهو ضريح لا يزال معلوما بجوار قصر تيوت إلى يومنا هذا). والاسم يمثل دمجا ثقافيا؛ فهو صيغة تدليل وتصغير أمازيغية للاسم المختزل "حدو" والذي يعود في أصله العربي إلى "أحمد".
حردان: اسم علم ذي أصل أمازيغي (زناتي/شلحي)، بمعنى “الضب” وهو اسم معروف أيضا في التراث العربي القديم،

هنكوش: ورد أيضا كاسم علم للشهود (أحمد بن ناصر هنكوش)، والدلالة السائدة للمصطلح في الإحالة الثقافية تعني الدرويش أو الزاهد المتعبد.
الظاهرة المورفوفونولوجية (أداة الانتساب "ام"):عند دراسة وثائق قصر مغرار التحتاني وعسلة، استوقفتنا ظاهرة بنيوية لافتة ومطردة؛ وهي إضافة حرف الميم قبل اسم الأب بدلاً من "بن" أو "آيت"، مثل: (ميلود ام بلقاسم، سعيد ام بودخيل، أحمد ام بوحفص، عبد الله ام براهيم، حردان ام بوداود، محمد ام بوزيان).
إن الأداة "ام" هنا تقوم مقام أداة النسب القبلية الأمازيغية "آت" أو "آيت". لكن الملاحظة اللسانية الدقيقة التي نسجلها، هي أن هذا القلب أو الاستبدال لا يحدث إلا إذا كان الاسم المضاف إليه يبدأ بحرف الباء. هذا الشرط الصوتي يفتح أمامنا مجالا بحثيا خصبا للتعمق في القواعد "المورفوفونولوجية" للسان الزناتي الشلحي القديم وعلاقته بالتجانس الصوتي بين الميم والباء عند النطق.

​خاتمة وتوصيات:
​إن القراءة الفاحصة لهذه المخطوطات والوثائق المحلية ترفع عنها الصبغة الجافة للعقود النفعية (من بيع وحبس وقسمة مياه)، لتعيد تسييقها كـ "أرشيف لغوي وأنثروبولوجي استراتيجي". لقد حفظت لنا الوثيقة العدلية المكتوبة بالعربية فصيلة نادرة من الألفاظ الأمازيغية التي عزّ على الذاكرة الشفهية صونها.
​وفي ختام هذه المداخلة.
أقترح على سيادتكم بعض التوصيات العلمية:
الجمع والمأسسة: الدعوة المستعجلة والمستمرة لجمع هذه الوثائق والعقود من الخزانات العائلية الخاصة ورقمنتها لحمايتها من التلف.
المعجمية الأثرية: البدء في مشروع وطني لإنجاز "معجم طبونيمي تاريخي لمنطقة القصور"، يستند إلى الشواهد الموثقة داخل العقود العدلية لربط جغرافية المكان بتاريخ اللسان. ويمتد حتى للخرائط الجغرافية القديمة.
التكامل المعرفي: تشجيع الدراسات البينية التي تجمع بين التاريخ، والتحليل اللساني، والأنثروبولوجيا لتفكيك البنى الاجتماعية للمجتمعات القصورية في الجنوب الغربي الجزائري.