هل التاريخ علم؟ ومن أو ما هو الأكاديمي؟

 هل التاريخ علم؟ ومن أو ما هو الأكاديمي؟


كثيرا ما استوقفتني، خلال حواراتي مع الأصدقاء حول التاريخ ومنهجيته، عبارة متداولة: "التاريخ ليس علما دقيقا...!" وكأن هذه العبارة تُسوّغ الاستهانة به أو التساهل في اشتراطاته المنهجية.
غير ان الباحث المنصف يدرك ان المسألة اعمق من هذا الحكم التبسيطي. فالتاريخ من اعقد الحقول المعرفية وأشدّها تركيبا، وأكثرها مطالبة بالدقة؛ لأنه، في جوهره، يتعامل مع وقائع إنسانية متشابكة، تتداخل فيها الأحداث بالأسطورة، والذاكرة بالنسيان، والسرد بالتحيز، وتتشابك فيها السياقات الحضارية والسياسية والاجتماعية تشابكا يعسر فكّه.
وهذه التعقيدات لا تعكس ضعفا في التاريخ كعلم، بقدر ما تكشف عن صعوبة موضوعه. لذلك، فإن الأعمال التاريخية التي تفتقر الى قواعد الصرامة العلمية — وهي للأسف كثيرة اليوم — لا تدل على قصور في علم التاريخ ذاته، بل على قصور في من مارسه؛ فالخلل في البنّاء لا في فنّ العمارة.
ومن ثمّ، فإن صعوبة التاريخ قد تضعه، من حيث التعقيد، الى جانب أعقد المسائل في الرياضيات، أو الفلسفات الكبرى التي تحاول تفكيك بنى التفكير وغموض الوعي، او حتى الفيزياء النظرية حين تقترب من تفسير الظواهر الكبرى؛ لا من حيث الأدوات، بل من حيث ثقل المسؤولية المعرفية.
وهنا يمكن ان ا ضرب مثالا على ذلك: إذا كانت الفيزياء تستخدم المعجّلات والمجاهر، فإن التاريخ يستخدم النقد المنهجي للوثيقة أو الأثر. فالعلم ليس فقط نتائج يقينية، بل هو قبل ذلك منهج تفكير. والتاريخ علم، لأنه يمتلك أدواته في فحص المصادر من خلال النقد الظاهري والباطني، تماما كما يمتلك الفيزيائي أدواته في قياس الجسيمات... ففي ميكانيكا الكم نجد مبدأ الريبة، وفي التاريخ نجد نسبية الملاحظ. فالمؤرخ، مثل الفيزيائي الذي يرصد جسيما فيؤثر في مساره، قد يؤثر تحيزه في صياغة السردية. غير أن المؤرخ الأكاديمي هو من يعترف بهذا التحيز، ويسعى إلى تحييده عبر المنهج، ولا يتوقف عن مساءلة فرضياته.
في مقابل ذلك، يبرز سؤال لا يقل أهمية: متى يكون البحث أكاديميا، سواء في العلوم الإنسانية أو في علوم المادة؟
يكون البحث أكاديميا حين يخضع لمنهجية علمية صارمة، ويقترب — قدر الإمكان — من الموضوعية، فلا يقفز إلى الاستنتاجات، ويعرض الأدلة المخالفة قبل المؤيدة؛ لأن الصرامة العلمية تقتضي ان تكون النتائج ثمرة منطقية للمقدمات، لا العكس.
فالأكاديمية ليست مجرد لقب يُمنح، بل هي ممارسة تُثبت داخل النص نفسه. والشهادة الجامعية ليست سوى رخصة قيادة، لا تضمن جودة الرحلة دائما. ولهذا، كثيرا ما تُرفض أبحاث ومقالات من قِبل لجان التحكيم العلمية، لا لضعف أصحابها من حيث الشهادات، بل لعدم احترام العمل لقواعد المنهجية. وهو أمر مألوف في المسارات البحثية؛ إذ لا يكاد يخلو مسار أكاديمي من أعمال مرفوضة، دون أن ينقص ذلك من قيمة صاحبه.
في الأخير، قد لا يكون التاريخ علما دقيقا، لكنه بالتأكيد ليس مجالا سهلا.
إنه حقل لا يرحم السطحية… ويكافئ فقط من يصبر على تعقيده.
.
أحمد عقون
أفريل 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق