من حكايات قريتنا..
عنزة جدتي..
من هدية السي مول الواجدة، إلى قطيع سي محمد باصو..
الجزء الثاني
مضى أسبوع بعد الزيارة التي قادتنا إلى دوار أولاد سيدي تاج، وفي مساء يوم اثنين، وهو موعد السوق الأسبوعي، كانت جدتي تعدّ “التعشوي” على مهل، كأنها تفتح بيتها لاحتمال الغريب قبل أن يطرق. يوم السوق عند أهل تيوت ليس يوم لبيع فقط، بل يوم لعودة الوجوه، للأخبار التي تأتي مع الغروب، وللزائر الذي قد يبيت دون موعد. جلس جدي قبالة الموقد، متلفعا في جلابته الصوفية، والنار تلعب بظله الكبير على الجدران الطينية، فتارة يطول وتارة يقصر، كأنه يتنفس مع لهيب الحطب. أسند رأسه إلى سارية البيت، وضم ركبتيه إلى صدره، وهو يمرّر سبّحته العتيقة بين أصابعه ويتلو ورده المسائي بصوت خافت، صوت رجل فقد بصره منذ عقود بسبب خطأ طبي يوم وباء التيفيس، لكنه لم يفقد بصيرته ولا عزيمته، ولا حقده النبيل على الاستعمار الذي أوجع القصر ولم يكسره. وفي الزاوية، كانت أمي تفرك قدر النحاس بصبر، وحركتها الإيقاعيّة تُحدث صوت احتكاك ناعم هو جزء من سيمفونية البيت المسائية.
كانت رائحة 'التعشوي' تتسلل من القدر القصديري لتملأ زوايا البيت؛ مزيجٌ نفاذٌ ودافئ بين رائحة الدهان الحايل الذي أخرجته جدتي للتو من عكته، وبين بخار مرق البصل والزعتر البري. كانت الرائحة تتصاعد مع خيوط دخان الحطب، فتمتزج برائحة الطين المبلل في الجدران، لتصنع ذلك العبير الذي لا يعرفه إلا سكان القصور العتيقة؛ عطرٌ لا يباع في زجاجات، بل يُطبخ بالصبر والنية. لم تمض لحظات حتى طرق الباب طرقا امألوفا وصوت ينادي من الخارج: “وااا دودو مجبر… وااا دودو مجبر…”. أطلت جدتي من كوّة صغيرة، ثم سمعنا صوت المزلاج الخشبي الثقيل يتحرّر من عقاله بصوت خشن. ثم فتحت الباب مرحبة، فإذا بسي محمد باصو يربط فرسه إلى نخلة مقابلة للبيت. دخل وجلس قرب الموقد، ووضع يديه المربوعتين تجاه اللهب، كأنه يغسلها بالدفء قبل الحديث. لم يستقبله كلامنا فحسب، بل استقبلته تلك 'الفورة' الدافئة التي خرجت مع فتح الباب، وكأن البيت بأسره كان يحييه.. استنشق الهواء بعمق ثم قال بابتسامة خفيفة: ريحة الكرم سابقة مواليها يا با مجبر..! فترد جدتي وهي تغطي القدر بخرقة قماشية: مرحبا بك يا سي محمد، التعشوي راه وجد على نيتك. تمدّدت الجلسة كما تتمدد النار في الحطب، فنجان قهوة، ثم آخر، وحديث يبدأ بالسوق والماشية وأسعار الشعير، وينعطف فجأة إلى أيام الاستعمار، إلى الليالي التي كانوا ينامون فيها وهم يحسبون خطوات الجندي، وإلى القصر حين كان يقاوم بالصمت وبالكسرة، وبالرجال الذين لا يوقّعون، والشهداء الذين لا تزال دماؤهم تخضب حجارة الأزقة.
قال جدي، وهو يتحسس لجمر بعصاه: “فرانسا يا سي محمد ضربت في العين قبل ما تضرب في القلب”. فأجابه باصو: “صح… بصح العين اللي تشوف الحق عمرها ما تعمى”. ضحكا ضحكة قصيرة، ثم صمتا، كأن الصمت نفسه جزء من الحديث.
وحين همّ سي محمد بالمغادرة، رغم إلحاح جدي وجدتي عليه بالبقاء للعشاء، طلبت منه جدتي أن يأخذ معه العنزة التي أهداها لها سي مول الواجدة. قالتها ببساطة من يعرف حدوده مع البركة: ليس عندي مكان يناسبها، ولا أمانة تليق بها. فلوتفضلت اتركها عندك مع القطيع.. فأخذها سي محمد، وغادر القصر متجهاً إلى بادية تيورطلت، بينما ظلّ صداها يرنّ في البيت كشيء أُعيد إلى موضعه الصحيح.
مرّت ثلاث سنوات.. ثلاث سنوات تمضي أحيانا بلا أثر، وتمضي أحيانا وهي تختمر في الغيب. وفي صباح من صباحات الربيع، جاء سي محمد باصو إلى بيت جدي. شرب الشاي، تبادل الحديث، ثم قال لجدتي وهو يبتسم: “يا ما حليمة، راه جاي الربيع… وقلت نجيبلك رزقك علاش تربعي”. خرجت جدتي خلفه، فإذا بقطيع من الماعز يقف عند مدخل القصر، يحرسه فتى صغير، عنزة تتقدّم، وخلفها ما يقارب العشرين رأسا. وقفت جدتي لحظة والفرح يغمرها، ليس فرح الامتلاك، بل فرح التصديق. كأن الكون أجاب على سؤالها الصامت. رفعت يديها إلى السماء، ودعت دعاء لا يُحفظ لأنه يخرج من القلب مباشرة، دعاء يفيض بالخير، وبالستر، وبالبركة التي تدوم ولا تفنى، وشكرا على اختبار نجحت فيه دون أن تدري.
أقسمت عليه أن يأخذ جديا وجدية، وحين أبى قالت له: “خذهما… ففيهم بركة سي مول الواجدة”. قبلها هذه المرة، وهو يبتسم كما يُبتسم لمن يعرف أن البركة لا تُرَدّ.
من تلك العنزة، صار لجدتي قطيع. وحين حلّ الربيع، نصب جدي خيمة في بستانه خارج القصر، وصارت أمي ترعى الماعز قرب الحقول، بين الزرع والماء، نأخذ من القطيع حليبه، وسمنه، وكليلته، ونأخذ قبل ذلك كله معنى الأمانة. وهكذا، تعلمتُ أن البركة ليست شيئا يُمنح، بل هي عقد ثقة بين القلوب. وأن أغلى ما في الهدية ليس قيمتها، بل الاختبار الخفي الذي تجريه على نية الآخذ.
كانت أياما يُقاس فيها الغنى بالوفاء، وتُعرف البركة بأنها الشيء الذي يعود إليك بعدما تظنه ذهب، مضاعفا، هادئا، بلا ضجيج. هكذا كانت الحكاية… عن عنزة "حوا" لم تكن عنزة فقط، بل اختبارا صغيرا للنية، نجح فيه الجميع.
.
أحمد عقون
يناير 2026
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق