من حكايات قريتنا..
رحلة جدّتي…
من قصر تيوت.. إلى بادية أولاد سيدي تاج.
كانت جدّتي ما حليمة تسكن بيتا طينييا قديما، في قلب القصر العتيق، حيث الجدران تعرف أسماء ساكنيها، وحيث الليل لا يهبط فجأة بل يتمهّل، مثل عجوز يعرف الطريق.. وكعادتها، مع بداية كل شتاء، كانت تستعد لرحلتها المنتظرة إلى بادية أولاد سيدي تاج، بسفح جبل جعرة جنوب قصر تيوت. فكانت تقول لنا وهي تحزم المتاع: "دجاج الرَّحْلة، يبات مْكَتّف" وكانت تقصد ان كل شيء يجب أن يُحضَّر ليلا، كي لا يسرق الصباح وقته من النية، فتحضر الهدايا كما تُحضَّر البركات: ملابس للنساء والأطفال، أواني الطبخ، جلابة من الصوف لرب الأسرة، قوالب السكر، صندوق الشاي، والحلوى. وعند الفجر، تنهض فتصلّي، ثم توقظني من تحت حايكها الصوفي المخطّط، وأنا لا أزال نصف نائم.. نصف حالم، أظن أن العالم كلّه رحلة.
تعدّ لنا فطور الصباح بمساعدة والدتي، قهوة سوداء، خبز الفْرينة الذي خرج تَوًّا من الفرن، وسمن ماشية أصيل، له رائحة المراعي لا الأسواق.
ثم تجمع جدّتي الأمتعة، وتضعها على ظهر الحمار، تقدّم له صاعا من الشعير ودلو ماء، وحين ينهي فطوره الشهي، تشرع في تحميله، ثم تهيئ لي مكانا فوق المتاع وتركبني عليه،كنت سعيدا حدّ أن الدنيا بدت لي صغيرة، محمولة، ومضمونة.
ننطلق بين حيطان الطوب وأزقة البساتين، جدّتي راجلة، وأنا راكب أمدّ أحيانا قدميّ الصغيرتين محاولا العبث بأذني الحمار، فتوبّخني: «حبس… خليه مسكين» فأخجل، لا من الكلام، بل من نبرة الحنان التي تخفي الأمر.
في الطريق، تعرّج على خلوة سيدي الشيخ بحاسي لحلاف فتزور المقام وتتبرك وتدعو ثم تضع صرّة من الحنّاء والسكر، وتتمتم بكلمات سرّية، كأنها في مهمة خفية بينها وبين خالقها. وقفت لحظة وهي تمسح بيدها الناعمة المحفوفة بالتجاعيد على حافة صخرة باردة، ثم أطرقت برأسها وكأنها تستمع لصوت لا يسمعه أحد. كنتُ أعتقد يومها أنها تتحدث مع الأحجار، لكني أعرف الآن أنها كانت تودع هناك كل هموم القصر وآلامه، لتخفف الروح قبل أن تثقلها هدايا البادية. كان الدين يومها فطريا نقيا، قائما على إيمان العجائز.. لا شعارات، لا أيديولوجيا، ولا خطب.. إيمان يمشي على قدمين، ويصمت أكثر مما يتكلم.
ثم نواصل الرحلة نحو خيمة سي محمد مول الواجدة، قاطعين أكثر من عشرة كيلومترات..الحمار يترنّح أحيانا من ثقل المتاع، وجدّتي تهمس له كما لو كان يفهم.. وحين نتجاوز التلال الجنوبية لقصر تيوت، يبدأ دوّار خيام مول الواجدة في الظهور. فتلوح خيمة سي محمد الكبيرة يعلوها ريش الخيمة، رمز المكانة والرّفعة عند أولاد سيدي سليمان بن أبي سماحة.
وقبل الوصول بقليل، يستقبلنا الأطفال بفرح هستيري، ترافقهم كلاب الدوار، كأنها تقاسمهم البشرى.. فتشرع جدّتي في تقبيلهم، وتوزيع قطع الحلوى عليهم، فيلتصقون بها كما يلتصق العشب بالمطر..حينها تخرج نساء الخيمة، ويعلو الترحيب:
«يا ما حليمة مرحبا..مرحبا.. جاك الخير… جاك الخير يا ما حليمة» ثم يساعدنها في إنزال الأمتعة، بينما يقود أحد الشبان الحمار إلى مكانه ويقدم له العلف والماء.
ندخل الخيمة فتستقبلنا رائحة الصوف المبلل والرماد كأنها بخور زاوية عتيقة، وقبل أن نجلس تتحول إلى خلية نحل، واحدة تفرش قرب الحيال، وثانية تنحني فوق الهيدورة تنفخ في الجمر لتشعل الحطب، بينما كانت الأخرى، وهي الأسرع حركة، قد بدأت فعلا في تحضير (الزريزري).كنت أراقب أصابعها وهي تفتل حبات التمر المعجون بالسمن، وتضغط عليها ببراعة لتصنع كرات صغيرة تلمع تحت ضوء الشمس المتسلل من ثقوب الخيمة، فتفوح رائحة الحلاوة المشوبة بحموضة (الكليلة) كان مشهدا يملأ الحواس قبل البطون، صخب الاستقبال، ورنة القدور، وحركة الأيدي التي لا تهدأ.. وكأن كل حركة في تلك الخيمة هي طقسٌ من طقوس الاحتفاء بجدتي التي انهمكت في فك الأمتعة وهي توزّعها بعدل عاطفي دقيق: هذه الفونارة لفلانة، وهذه العباءة لفلانة، وهذه الأواني لفلانة بمناسبة زواجها، وهذه الجلابة لسيدي محمد. والفرح يدور بيننا كنخب دوّامة دافئة.
قالت زوجة سي محمد وهي تساعد في تفريغ الأواني: "الشتاء هذه السنة قاسٍ يا ما حليمة. الرياح تأتي من جبل جعرة كالسكاكين." فردت جدّتي وهي تقدم لها إناءً نحاسيا: "لهذا جئتُ. البرد إذا تقاسمناه على بيتين، يصبح دفئا وهذا الإناء فيه بعض من دفء موقدنا."
وحين ن يحين الغداء، يصل سي محمد فيدخل يسار الخيمة حيث مكان الرجال، فتقوم زوجته وجدّتي، تقبّلان رأسه فيستقبلها بترحاب صادق. كان شيخها في الطريقة، الذي لقّنها سرّ سيدي الشيخ: الوِرد أو الذكر المتوارث. فلم يكن الذِّكر حكرا على الرجال؛ بل حتى النساء كان لهنّ نصيب في الطريق. ونظرا لكبر سنّ جدّتي وصلاح مكانتها في قصر تيوت، فقد عُيّنت مْقدّْمَة على ضريح مولاي عبد القادر.
أما أنا…
فكنت أركض خلف دجاجات الخيمة محاولا الإمساك بها، وأحيانا أختبئ خلف الأعمدة لأفاجئ الجديان، وفي مرة حاولت تعليق شاشيتي في حبل القربة فانسكب الماء فوق رأسي وضحك الجميع وبقيت أنا واقفا أتحسّس رأسي كأن السماء سقطت عليّ وحدي.
كنت فضوليًا سمِطًا: لماذا ينام هذا الجدي هنا؟ لماذا ليس لديكم تلفاز؟ ولماذا هذا القدر أسود كأنه محترق؟ وحين تكثر أسئلتي، تشعر جدّتي بالحرج فتصرخ: «رواح تريح هنا… نجيبلك الكلب!»
فأنزوي تحت جنابها ممسكا بطرف ردائها، كطائر مذعور.. فتنفجر النسوة بالضحك: «يا ما حليمة غي خليه يلعب». هكذا نقضي يومنا بين أعمدة الخيمة:
أحاديث، ضحكات، دخان موقد، ووقت لا يستعجل احدا.. وعند الظهيرة، بعد الغداء والشاي، يحين موعد الرحيل.. فتجمع ربة الخيمة لجدتي خيرات البادية: عكّة دهان الغنم، صوف، كليلة، لبن، بيض وتضعها فوق الحمار.. ثم يخرج سي محمد، يقود عنزة حوّاء ويقدّمها لجدّتي كهدية وبركة. فتفرح بها فرحا صامتا، يشبه الامتنان.
تحمّل جدّتي المتاع وتركبني فوق الحمار ثم ننطلق عائدين تتبعنا العنزة، والأطفال والنسوة يلوّحون، ودمع الفراق يتسلل من العيون دون استئذان.
كانت تلك حياة أهل تيوت: قصر وبادية، محبة وتآخي وتآزر، الأسرة، الاقتصاد، والروح… كلّها خيوط في نسيج واحد، وقبل المغيب بقليل، تلوح بيوت قصر تيوت العالية. مدخناتها تستقبلنا، والدخان المتصاعد منها كان كأنه يقول:
عدتم… وقد عاد معكم شيء من الروح.
اليوم صرنا نصل أسرع، لكننا لا نصل معا.. وحين أقطع المسافة بين تيوت والبادية في دقائق معدودات على الطريق المعبّد، أتذكر الحمار الذي كان يحمل الدنيا ويقيس الأرض خطوة خطوة، كأنه يخيط المسافة بخيط من صبر. وحين أسمع خطبا طنانة، أتذكر الصمت المليء بالإيمان في خلوة سيدي الشيخ. وحين أرى "الهدايا" معلَّقة في أكياس بلاستيكية براقة، أتذكر صرّة الحناء والسكر التي كانت تُعد بوصفة من الحب والتبرك. لقد صار العالم أسرع، لكنه فقد ذلك "التمهُّل" الذي كان للليل، وتلك "الدوّامة الدافئة" من الفرح البسيط. صرنا نُحمِّل السيارات أكثر مما تحمل الحمير، ولكن قلوبنا قد خفّ ثقلها عن حمل روح. ربما لأننا نسينا أن "دجاج الرحلة، يبات مكتّف" – فصرنا نعدّ المتاع، قبل أن نعدّ قلوبنا للوصول.
.
أحمد عقون
يناير 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق